فهرس الكتاب
الأنوار الإلهيَّة على صفحات القلب. والسبب في اعتقادنا هذا، هو سابقة الرؤيا والعلاقة بين النبي عليه السَّلام وجبريل، فقد رآه صلى الله عليه وسلم مسبقًا بعدَّة صور، منها بشرية ومنها ملائكية، وما كان لرؤيته في السماء أي مغزى أو معنى جديد حين عروجه عليه السَّلام، لذا نفضِّل الرأي القائل برؤية حضرة الله تعالى، رؤيا روحية تبصُّرية لظلال من أنوار الله تعالى {مَا كَذَبَ الفُؤُادُ مَا رَأَى} ، ممَّا يعطي للمعراج زخمًا روحيًا وفيرًا، وأُنْسًا ربَّانيًّا لا يُضاهى. أخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: «يارسول الله! هل رأيت ربَّك؟ قال: لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرتين، ثمَّ تلا: {ثمَّ دنا فتدلَّى} » . بينما رأى صلى الله عليه وسلم ملكوت السماء وسدرة المنتهى، والبيت المعمور والجنَّة والنار، وجبريل وغير ذلك رؤية حقيقية {مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى} ، وإنَّ دنوَّه صلى الله عليه وسلم من ربِّه ليس دنوَّ مكان ولا قرب مدى، إنما هو إظهار لعظيم منزلته، وتشريف لرتبته وإشراق لأنوار معرفته، ومشاهدة لأسرار غيبه وقدرته، وتفضُّل من الله عليه وإيناس له وإكرام.
أمَّا عن أحداث تلك الليلة، فقد جاء في الحديث الشريف، أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى فيها إمامًا بالأنبياء، وهذا يرشد إلى أنه جاء بشريعة ختمت الشرائع السالفة كلَّها، وأقرَّتها واستكملتها، وفي هذا مغزى جدير بالتأمُّل والتفكُّر، وهو أن جميع الأنبياء على وفاق ووئام، أتوا لتبليغ عباد الله الدِّين الحقَّ، وشريعة ربِّهم الَّذي أرسلهم، ممَّا يستوجب على متَّبعيهم أن يقتفوا سُنَّة رسلهم، وأن يجعلوا أمرهم سَلَمًا بينهم، وأن يجعلوا الشريعة الأخيرة والقانون الَّذي جاءت به، الشريعة الَّتي يُقضى بها بين الناس، كما هو المتَّبع في القوانين الوضعية، فإن الَّذي يجب العمل به هو القانون الأحدث. وبهذا تكون الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، رحلة مختارة من اللطيف الخبير، لتربط بين شرائع التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام إلى محمَّد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وتربط بين الأماكن المقدَّسة برسالات التوحيد جميعًا، وهذا ما أكَّده كتاب الله تعالى وأحاديث رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: {شَرَعَ لكم من الدِّينِ ما وصَّى به نوحًا والَّذي أوحينا إليك وماَوصَّيْنَا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدِّينَ ولا تتفرقوا فيه ... } (42 الشورى آية 13) وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أحاديث كثيرة ومنها ما أخرجه الترمذي وحسَّنه، والطبراني وابن ماجه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يامحمَّد! أقرئ أمَّتك مني السَّلام، وأخبرهم أن الجنَّة طيِّبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوَّة إلا بالله» (قيعان: أي لاغراس فيها) . وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن مردويه والبيهقي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء لقي أرواح الأنبياء عليهم السَّلام فأثنَوْا على ربِّهم فقال صلى الله عليه وسلم: كلُّكم أثنى على ربِّه، وإني مُثنٍ على