فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 400

والتسليم المطلق بوحدانية الله عزَّ وجل، وقُدِّس بكلمة لا إله إلا الله، وعندها يتكامل الصرح السامق ليلامس السماء، ويمضي صُعُدًا إلى الملكوت السماوي، حيث يجد العبد في ظلِّ الله الحُبَّ والرضا، والسعادة السرمدية الَّتي لا تنتهي ولا تزول.

والركن الثالث هو العمل الصالح الَّذي يعني القيام بكلِّ ما فيه خير للأمم، سواء في بناء الأخلاق، ونشر الرحمة والمساعدة والعطاء، ونشر العلم والفضيلة، والثقافة والتعليم، أم في البناء والإعمار، وإقامة السدود، والمحافظة على نظافة الأرض وبيئتها، والاستفادة من أجواء الفضاء ومن كلِّ ما سخَّره الله تعالى من أجل مصلحة الإنسان. ولا يمكن لهذه الأعمال أن تكون صالحة ومقبولة ومأجورة من قبل الله تعالى ما لم يكن التوجُّه بها خالصًا لمرضاته وإسعاد مخلوقاته، انطلاقًا من الإيمان الراسخ بالله عزَّ وجل.

وبالنتيجة فإن على الإنسان أن يقدِّم عملًا مثمرًا وخيِّرًا وبنَّاءً يبتغي به وجه الله، ثمَّ يترك القرار في الحكم له أو عليه إلى الله عزَّ وجل، فهو الحكم العدل، الَّذي يقرِّر من له الحقُّ في أن يدخل فسيح جنانه ويستقرَّ في ملكوته الأعلى. عندها يسود الأمن والاطمئنان في المجتمع الإنساني كلِّه، فلا خوف ولا حزن ولا قلق، بل مجتمع متآزر متآخٍ، سعيد في الحياة الدنيا والآخرة، حيث ينال كلٌّ ثواب عمله ولا يُنتقص منه شيءٌ.

إن المانع الأساسي من التقاء أتباع الشرائع الَّتي أنزلها الله تعالى هو التعصُّب بالدرجة الأولى، ثمَّ التشويه الَّذي صنعه المغرضون في تلك الشرائع. لقد افترى الأفَّاكون أعدادًا هائلة من الأحاديث المكذوبة، المفتراة على لسان رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلم وهو منها براء، فانبرى العلماء العاملون لتلك الأحاديث الَّتي قصد مُشِيعُوها تشويه الإسلام، ففنَّدوها وعَرَّوا أصحابها، واستبعدوا كلَّ دخيل مكذوب، فبقيت تعاليم الإسلام على صفائها ونقائها بحفظ مَصْدرَيْها الأساسيين الكتاب والسنَّة، ولو أن الأمر ذاته حدث في الرسالات الأخرى والشرائع السابقة وزال التعصُّب، لالتقى أتباعها جميعًا مع شرع الله الخالد واجتمعوا على كلمة سواء.

وفي ختام هذا الفصل لابد أن نلفت الانتباه إلى الآيات الكريمة الَّتي أقسم فيها الله تعالى برموز ثلاثة مرتبطة بالشرائع الإبراهيمية الثلاث، حيث يقول عزَّ وجل: {وَالتِّينِ وَالزَّيتُون * وَطُوْرِ سِينِين * وَهَذَا البَلَدِ الأَمِين} (95 سورة التين آية 1 ـ 3) . فبلاد التين والزيتون هي الأرض المباركة حيث مهد المسيح عليه السَّلام ومسيرة دعوته، وطور سينين حيث ناجى موسى عليه السَّلام ربَّه وتلقى الأمر الإلهي ببدء الجهاد السلمي ضد الكفر والتسلط، والبلد الأمين حيث أشرقت دعوة محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام في مكَّة المكرمة؛ لتحضن شرائع السماء بإعزاز وتكريم، وتجمع قلوب المؤمنين بالله في سائر أنحاء العالم على المحبَّة والخير والسَّلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت