فهرس الكتاب
ولا بعدها يقرأ الكتب، ولم يكن يتلقَّى أي نوع من أنواع التعليم، بالمفهوم الَّذي يفهمه الناس من كلمة علم وتعليم.
وهذا النصُّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وحُجَّة دامغة حتَّى في حقِّ من لا يؤمن بأن القرآن من عند الله. فهو نصٌّ أعلنه النبي صلى الله عليه وسلم على قومه وتحدَّث به إلى أعرف الناس بحياته، فلم يعترض أحد على ما قال؛ لأنه لم يؤْثَر عنه أيُّ مساهمة قبل بعثته بما كان شائعًا في قومه من شعر وخطابة. وقد عاش فيهم أربعين سنة قبل البعثة، دون أن يشعر الناس من حوله بأي شيء يميِّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أيُّ بذور علمية، أو اتجاهات جادَّة نحو عملية التغيير الكبرى، الَّتي طلع بها على العالم فجأة، فجاءهم بأعظم كتاب عرفته البشرية؛ ربَّاني المصدر والتعاليم. وهذه هي صفته في الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل حيث ورد فيها: (إن آية نبوَّته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابًا ولا يخطُّه بيمينه) .
إذن فلا وجه للشكِّ في أن هذا القرآن منزَّل من عند الله، فهو ليس مفتعلًا من صنع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يتعلَّمه من الكتب المأثورة عمَّن قبله. وحتَّى لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم كاتبًا وقارئًا، فلا يجوز لهؤلاء المعارضين أن يرتابوا، فإعجاز القرآن يشهد بذاته أنه ليس من نظم بشر، مهما علا شأنه، وإن كان محمَّدًا ذاته، فلو كان من عنده صلى الله عليه وسلم لنسب إلى نفسه صفاتٍ تتناسب مع حبِّ الإنسان للظهور، ولادَّعى من المواهب ما يوهم به أصحاب العقول الصغيرة والأنفس الضعيفة فيجد الحظوة لديهم. ولكنَّه محمَّد الصادق الأمين، قيادته بيد خالق الأكوان، المعطي والمانع، ولا حول ولا قوَّة له، لا هو ولا أتباعه، إلا بالله العليِّ العظيم. والقرآن الكريم أعظم من طاقات البشر، ومعرفتهم، وآفاقهم، والحقُّ الَّذي فيه، ذو طبيعة مطلقة كالحقِّ الَّذي في هذا الكون، وكلُّ وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأنَّ وراءه قوَّة، وفي عباراته سلطانًا لا يصدران عن بشر.
وليس القرآن كما يقول المبطلون من الجاهلين سحرًا أو شعرًا، ولكنَّه آيات ودلائل هَدَتْ إلى دين الله وأحكامه، ولقد أضاءت أنوارها في صدور الَّذين أوتوا العلم، فأصبحت مستودعًا للحكمة الإلهية، والأسرار الربَّانية. إن كلًا منا بوسعه أن يكون من أولي العلم إذا اكتشف أعماقه، والقوى الهائلة الكامنة فيها، ووصل طاقاته الدفينة بالطاقة الإلهية العظمى. وأولو العلم وحدهم، هم الَّذين يستطيعون أن يميِّزوا بين كلام الله وكلام البشر، وما يجحد بهذا القرآن إلا المتجاوزون للحدود بالمكابرة والعناد والشر.
سورة النساء (4)