فهرس الكتاب
عمليًا يطبَّق جزءًا جزءًا في مرحلة الإعداد، ولم يأتِ فقهًا نظريًا ولا أفكارًا تجريدية، تُعرَض للقراءة والاستماع الذهني فقط، وتلك بعضٌ من حكم نزوله مفرَّقًا، لا كتابًا كاملًا منذ اللحظة الأولى. ولقد تلقَّاه الجيل الأوَّل من المسلمين على هذا الأساس، فكان توجيهًا يُطبَّق في واقع الحياة كلَّما جاءهم بأمر أو نهي، وكلَّما تلقَّوْا منه أدبًا أو فريضة. ويتجه الخطاب في هذه الآيات الكريمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لِيُعْلِمَهُ بأن الله أرسله، مبشِّرًا للمطيع بالثواب، ولأهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن، ونذيرًا لأهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به. ويطلب تعالى من نبيِّه الكريم أن يخاطب الناس بقوله: آمِنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا به، فهو حقٌّ في نفسه أنزله الله، وكتاب خالد إلى أبد الدهر، فإيمانكم لن يزيد في خزائن الله شيئًا، كما أن كفركم لن يُنقص منها شيئًا، وإن تكفروا به فإن أولي العلم الَّذين عرفوا التوراة والإنجيل وعرفوا أن الله سيبعث نبيًّا، يخِرُّون ساجدين شاكرين لله هديَّةَ القرآن، تلك النفحة الربَّانية، الَّتي أنعشت أرواحهم بعد ظمأ طويل، وبعثت الحياة في قلوبهم، فراحوا ينزِّهون الله في سجودهم عن إخلاف الوعد، إنه لا يخلف الميعاد.
وهكذا فإن أهل العلم هم الَّذين يعرفون الله حقَّ المعرفة، ويُصدِّقون كلَّ ما جاء به رسل الله، لذلك تراهم إذا سمعوا القرآن يخرُّون للأذقان باكين، ويزيدهم ما فيه من العبر والمواعظ خشوعًا لأمر الله وطاعته، وهم الآمنون من النار في الآخرة. روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عينان لا تمسُّهما النار، عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى» وأخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « .. وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله إلا حرَّم الله جسدها على النار وإن فاضت على خدِّه لم يَرهق وجهه قترٌ ولا ذِلَّةٌ» .
وجملة القول:
1 ـ إن القرآن الكريم كتاب صدق وحقيقة، لم يستطع ولن يستطيع أحدٌ، النيل من آية من آياته، أو إثبات أنها مغلوطة أو خاطئة.
2 ـ يجب أن يبدأ الداعي بآيات التبشير، ويستنفد وسائل الإقناع قبل أن يلجأ إلى التلميح بالعقاب الإلهي.
3 ـ آيات القرآن الكريم منسَّقة بشكل يتلاءم مع حدود الفهم، لذلك نرى سهولة حفظ آياته من قِبَلِ الناس على اختلاف عقولهم وتباين أعمارهم.