فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 400

في رحاب الآيات:

إن تَرَفَ الإنسان في ظلِّ الحضارة المادية المجرَّدة، لم يُعْطِه السعادة على مرِّ العصور، فقد جرَّب كلَّ أنواع اللَّذة الحسية من شرب الخمر إلى الانغماس في ملذَّات الحياة ولكن دون جدوى، وما زادته المخدِّرات إلا وبالًا دون أن تشفي له غليلًا! فأين هي السعادة؟.

إنها في العلاقة الروحية مع الله، الَّتي تكمن في كلماته ووحيه، في النور الَّذي يتجلَّى به على عباده، فيكون لهم الشفاء من كلِّ داء، وهي مصدر السرور الحقيقي؛ لأنها ترتكز على القواعد السليمة الصالحة لبناء المجتمع السليم المعافى من الخلل والتناقض.

فعندما فشلت الحضارة المادية في إسعاد الإنسان، أثبتت الحضارة الفكرية المستمَدَّة من شرع الله جدارتها في إيصاله إلى السعادة السرمدية، إذ أن الفكر هو ثمرة إعمال العقل الَّذي يقود إلى معرفة الله، بالارتكاز إلى الروحانية والإشراق. والإشراق لا ينبثق في النفس إلا بتلقِّي الفيض الإلهي، الَّذي يشفي النفوس ممَّا علق بها من أدران. وهل هناك فيض غامر وشافٍ أعظم من القرآن الكريم، الَّذي وصفه الله تعالى بقوله: {هذا بصائرُ للنَّاس وهدىً ورحمةٌ لِقوم يُوقِنون} (45 الجاثية آية 20) والله تعالى يصف القرآن الكريم بأنه بصائر للناس، لأنه يعمِّق معنى الهداية في النفس، فهو بذاته بصائر كاشفة، وهو بذاته هدى ورحمة وشفاء. ولكن هذا كلَّه يتوقف على اليقين، وعلى الثقة بحقيقته الَّتي لا يخامرها شكٌّ، ولا يخالطها قلق، ولا تتسرَّب إليها ريبة، وحين يستيقن المؤمن ممَّا حواه القرآن يعرف طريقه، فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد، وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا، والأفق منيرًا، والغاية محدَّدة، والنهج مستقيمًا، وعندئذ يصبح القرآن له نورًا وهدىً ورحمةً وشفاءً، لما فيه من كنوزٍ جمَّة، وفضائل عظيمة منها:

1 ـ اعتماده الموعظة الحسنة، بالترغيب والترهيب، بذكر ما يرِقُّ له القلب، فيحمله على فعل ما يجب، وترك ما يحرم.

2 ـ معالجته لما في القلوب من الشرك والنفاق وسائر الأمراض الَّتي تبقي صاحبها في دائرة القلق والشكِّ والتعاسة.

3 ـ إرشاده إلى طريق الحقِّ واليقين، وتحذيره من الضلال في الاعتقاد والعمل.

4 ـ زرعه الرحمة في قلوب المؤمنين، وغمرها بأنوار الهداية.

ونيل هذه العطايا الإلهية هو الَّذي يستدعي الفرح، لا المال ولا عرض الدنيا، فذلك هو الفرح العلوي الَّذي يطلق الإنسان من إسار المطامع الدنيوية، والممتلكات الزائلة، فيرتفع فوقها ليسخِّرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت