فهرس الكتاب
والله جلَّ وعلا يقرِّر أن القرآن شفاءٌ ورحمة، ولكن لمن خالطت قلوبَهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتَّحت لتلقِّي ما في القرآن من تعاليم وإرشادات. ففيه شفاءٌ من الوسوسة والقلق والحيرة، لأنه يصل القلب بالله فيستشعر حمايته فيسكن ويطمئن، مصداق قوله تعالى: {الَّذين آمنوا وتطمئنُّ قلُوبُهُم بذكر الله ألاَ بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب} (13 الرعد آية 28) وفيه شفاءٌ من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان، وهي من آفات القلب الَّتي تصيبه بالوهن والضعف، وتدفع به إلى اليأس والانهيار. وفيه شفاءٌ من الاتجاهات المخلَّة بالشعور والتفكير، فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفُّه عن هدر طاقته فيما لا يجدي، ويجعله يأخذ بمنهج سليم منتظم. وهو كذلك شفاءٌ للجسد، إذ يجعل الإنسان يوزِّع طاقاته باعتدال، بلا إفراط ولا تفريط، ويدَّخرها للإنتاج المثمر؛ وذلك بدعوته إلى عدم الإفراط في الطعام، وإلى الامتناع عن الزنا والشذوذ، لوقايته من الأمراض الجنسية المهلكة، وكذلك هو حماية من أضرار الخمر وكلِّ المسكرات والمخدِّرات بتحريم تعاطيها. وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية، الَّتي تفكِّك بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها، بما وضعه من نظام اجتماعي موزون، وعدالة شاملة تضمن سلامة الجميع وطمأنينتهم. يضاف إلى ذلك كلِّه أن القرآن الكريم جاء رحمة للناس جميعًا، ففيه الهداية وتفريج الكروب، وإصلاح العيوب، وتكفير الذنوب، مع ما تفضَّل به الله تعالى من الثواب في تلاوته، روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول ألم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» . إذًا ففي تلاوة القرآن ثواب وبركة، وفيه نور لاينتشر إلا بالعمل المثمر البنَّاء. ومع ذلك كلِّه فإن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا، فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة، لأن لهم آذانًا أصمُّوها عن سماع الحقِّ ووعيه، وقلوبًا مريضة عمياء غير مستعدَّة لتلقِّي الأنوار الإلهية الَّتي تحملها آياته، فإنْ حدث واستمعوا إليها فإنها لا تزيدهم إلا حيرة في أمرهم، وضلالًا في سعيهم؛ قال تعالى: { .. قلْ هُوَ للَّذين آمنوا هُدىً وشفاءٌ والَّذين لا يُؤمنونَ في آذانِهِم وَقْرٌ وهو عليهِمْ عَمىً .. } (41 فصلت آية 44) وهكذا فأصحاب القلوب السليمة ينتفعون بهذا الخير الإلهي الوفير، لأنه يتجاوب مع صدق إيمانهم وسلامة فطرتهم، وتصميمهم على العمل بموجبه، بينما يُعرِض الكافرون والمنافقون عنه فَيُلْقُون بأنفسهم بين أنياب البؤس والشقاء.
وفي الختام: لابدَّ أن نشير إلى التساؤلات المطروحة حديثًا حول الفرق بين الكتاب والقرآن. ونحن نؤكد وجوب التزامنا جميعًا بشريعة الله بمجملها؛ سواءً ما ورد منها في مصطلحات الكتاب أو القرآن أو الصحف أو الآيات، دون أن نغمط هذه التساؤلات حقَّها من جهة، ولا أن نجعلها سببًا لدخولنا في مناظرات فلسفية تحيد بنا عن صراط الله وشرعه القويم من جهة ثانية؛ والله أعلم بالنوايا وهو أعلم بالمهتدين.