فهرس الكتاب
الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدَّرجات العُلى في الدنيا والآخرة، التفكُّرُ فيه يعدل الصِّيام، ومدارسته تعدل القيام، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يُلهَمُهُ السُّعداء ويُحْرَمُهُ الأشقياء) (رواه ابن عبد البر النمري) .
لقد قام صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشر رسالة العلم في ربوع الأرض كلِّها، وتتلمذ على أيديهم طائفة من خيار الناس، وانطلاقًا من هذا الهدي القرآني النبوي، راح المسلمون الأُول يتسابقون في مجالات العلم وميادينه المختلفة، فترجموا كتب الحضارة الإنسانية الَّتي سبقتهم واستفادوا من علومها وملكوا زمام المبادرة فيها، فكانوا أمناء على الحضارة الإنسانية، فقد حفظوها من الضَّياع، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل أضافوا حقائق جديدة وعلومًا جديدة إلى ما ورثوه عَمَّنْ سبقهم، ولقد لمع في تاريخ الحضارة الإنسانية مئات الأسماء، كلُّهم يُعَدُّ من أساطين العلم في تاريخ البشرية؛ من أمثال الغزالي، وابن رشد، والفارابي، والحسن بن الهيثم، وابن خلدون، والخوارزمي، وابن سينا، وابن نفيس وغيرهم من علماء الطِّب والعلوم والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والرياضيات والفلك وغيرها من العلوم.
إن آثار هؤلاء العظماء التاريخيين الَّذين لم يكونوا ليصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلا بفضل الدافع الإسلامي القويِّ على العلم والبحث العلمي، الَّذي حملهم على بذل أعمارهم سعيًا وراء الحقيقة العلمية، وبعد أن وصلوا إليها حفظوها في مخطوطاتهم النفيسة، الَّتي تُعَدُّ الآن من كنوز المكتبات العالمية من عربية وأجنبية. إن نظرة واحدة إلى ما تحويه مكتبات واشنطن ونيويورك ولندن وباريز وبرلين والقاهرة ودمشق وغيرها من عواصم العالم، ترينا الثروة العلميَّة العملاقة الَّتي حوتها هذه المؤلَّفات، كلُّ ذلك انطلاقًا من موقف القرآن الكريم، وموقف رسول الإنسانية محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، من العلم والتعليم والمعرفة الإنسانية.
ولابدَّ من وقفة صريحة أمام الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الَّتي تتحدَّث عن العلم والعلماء .. فالمتحدِّث عن علوم الشريعة يستشهد بهذه الآيات والأحاديث .. والمتحدِّث عن العلوم الحياتيِّة يستشهد بهذه الآيات والأحاديث نفسها .. ومن هنا استطاع المغرضون أن ينسلُّوا إلى عقول بعض الناس، ليؤكِّدوا لهم بأن المقصود من جميع هذه الشواهد القرآنية والنبويَّة هو الدعوة إلى تحصيل العلوم الشرعيَّة فقط. ودليلهم على هذا الزعم هو تخلُّف المسلمين عن الحضارة الأوربية الَّتي ارتقت بسبب الثورة الصناعية الَّتي قام بها الأوربيون والمبنيَّة على العلوم التَّجريبيَّة، متَّهمين الاسلام بأنه وقف حائلًا أمام مثل هذه الثورة، داعين المسلمين إلى اعتماد مبدأ العلمانيَّة الَّذي يعني تحييد دور الدِّين، أسوة بما فعله المسيحيون في البلدان الأوروبية، إبَّان ثورتهم على هيمنة الكنيسة وإعاقتها للتقدُّم العلمي في تلك البلدان، قبل عصر النهضة العلمية؛ وبالتالي على المسلمين التخلِّي عن الإسلام بدورهم، ليتمكَّنوا من اللحاق بركب الحضارة، دون الإشارة إلى أن