أمَّا حقيقة هذه الأيام الستة فعلمها عند الله، وهي من أيامه الَّتي يقول عنها: { .. وإنَّ يومًا عند ربِّكَ كألفِ سنةٍ ممَّا تَعُدُّون} (22 الحج آية 47) فقد تكون ستة أطوار، مرَّت بها السموات والأرض وما بينهما، حتَّى انتهت إلى ما هي عليه، أو ستة مراحل في النشأة والتكوين، وهي على أيِّ حال شيء آخر غير الأيام الأرضية، والقصد من هذا التعبير الدلالة على التأنِّي في الأمور، تعليمًا لنا وإرشادًا.
وبعد الخلق وتدبير الأمر استوى ربُّ العزَّة على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تشبيه ولا مُماثلة. والاستواء على العرش يؤكد استعلاءه على مخلوقاته كلِّهم، وتمكُّنه منهم، وقدرته عليهم، أمَّا العرش فلا سبيل إلى تصوُّره، ولا طائل من الوقوف عند لفظه، فهو من علم الله وحده ولا سبيل إلى معرفته، وفي ظلال هذا الاستعلاء المطلق، يستشعر الإنسان عظمة الخالق وضآلة المخلوق، وقوَّة الخالق وضعف المخلوق. وفي ظلِّ هذا الضعف البشري، والجلال الإلهي، لا يعقل أن يتَّخذ الإنسان العاقل وليًّا غير الله؛ يشمله برحمته وعنايته في أمور دنياه، ويغفر ذنوبه ويشفع له في مواقف الآخرة.
إن تذكُّر هذه الحقيقة من شأنه أن يَرُدَّ القلب إلى الإقرار بعظمة الله وقدرته على التدبير؛ وهل غير الخالق يستطيع أن يدَبِّر أمور خلقه؟ وتدبير الأمر هو النظر في عاقبته ليجيء محمود النتيجة، كاملًا، متوازنًا. والله هو الَّذي يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، ثمَّ يعرج إليه الرُّوح والملائكة في يومٍ يقول الله تعالى عنه: {تعْرُجُ الملائكَةُ والرُّوحُ إليه في يومٍ كان مقدارُهُ خمسينَ ألف سنة} حيث يصعد فيه الملائكة وجبريل عليهم السَّلام إلى مواضع لا يصل إليها الإنسان، إلا بقدرة الله سبحانه، والمراد من ذكر الخمسين ألف، شدُّ العقل والتفكير إلى قانون الأعداد الكبيرة، والإيحاء بعظمة المقام الإلهي الأقدس، والكناية عن شِدَّة سُمُوِّه ورفعته.
إن صعود الملائكة في هذا اليوم والمهامَّ الموكولة إليهم، لا ندري من أمرها شيئًا، وحسبنا أن نشعر من خلال هذا المشهد بأهميَّة يوم القيامة وغيره من أيام الله، فقد أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: ما أطول هذا اليوم! فقال: والَّذي نفسي بيده إنه ليُخَفَّف على المؤمن حتَّى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصلِّيها في الدنيا» .