فهرس الكتاب
بمقدارٍ مساوٍ لتلك اللحظة الَّتي يعيشها، فالموت يأكل من عمره، والحياة ترسي في نسيجه خلايا جديدة، وهكذا .. خلايا تموت، وخلايا تتوالد في كيان كلِّ الأحياء، إلى أن يموت الكائن الحي، وتتحول خلاياه إلى ذرات ذوات تركيب آخر، فدورة الحياة والموت مستمرة بقدرة معجزة في كلِّ لحظة من لحظات الليل والنهار.
ولقد تضمَّنت الآيات الأخيرة عنصرًا هامًا من عناصر العقيدة؛ هو الإيمان بقدرة الله تعالى وحده على الإحياء والإماتة، وإعادة خلق الناس للحساب والجزاء. فهو وحده المحيي والمميت؛ يُخرج الإنسان من بطن أمه عُريانًا، لا حول له ولا قوَّة، ثمَّ يزوِّده بأسباب الحياة، ثمَّ يميته، ثمَّ يبعثه يوم القيامة حيًّا، وليس لأحد غيره عزَّ وجل سلطة أو قدرة على الإحياء والإماتة.
والآيات كذلك توجِّه الرسول صلى الله عليه وسلم وكلَّ مؤمن من بعده لدعوة الناس للإيمان بحقيقة جَليَّةٍ؛ هي أن الله عزَّ وجل هو واهب الحياة في الدنيا والمميت عند انقضاء الآجال، وأنه سيجمع الناس يوم القيامة جمعًا لا ريب فيه، لا كما يزعم بعضهم بأنهم يَحْيَوْن ويموتون بحكم الدَّهر. فإذا كان الله عزَّ وجل قد قَدِر على الخلق في المرة الأولى، فَمِنْ بابٍ أولى أنه يقدر على إعادته كرَّة أخرى، قال تعالى: {وهو الَّذي يَبْدَؤُ الخلْقَ ثمَّ يُعِيدُهُ وهو أَهْوَنُ عليه .. } (30 الروم آية 27) .
وهذه الحقائق تتوافق مع المنطق والعقل، فهل يُعقل أن تُوهَب الحياة لكلٍّ من الإنسان والحيوان والنبات ـ بمحض المصادفة ـ من غير واهب عظيم قادر على بثِّها وإيداعها في المخلوقات؟ تلك الحياة الَّتي هي قوَّةٌ خارقة، لا يزال العقل عاجزًا عن إدراك كنهها وأبعادها، وسيظلُّ كذلك إلى ما شاء الله. وهل يُعقل أن تُنفخ الرُّوح من قبل الفراغ، وتَؤول إلى الفراغ؟ ثمَّ هل من العدالة في شيء أن يعيش الناس على هذه الأرض، يكسِب بَرُّهم الخيرات، ويجترح آثِمُهم السيئات، ثمَّ ينتهون جميعًا إلى مصير واحد هو الفناء، دون حساب ودون ثواب أو عقاب؟؛ ويجيبنا الله تعالى بقوله: {الَّذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُم أحسنُ عملًا وهو العزيزُ الغفورُ} (67 سورة الملك آية 2) .
لاشكَّ أن من يعتقد بذلك يرتضي لمصيره أن يكون مساويًا لمصير الجمادات والحيوانات، خلافًا للمؤمن بالبعث والنُّشور، الَّذي يتناسب إيمانه مع الكرامة الإنسانية الَّتي ميَّزه تعالى بها في الحياة الدنيا ليكون أعظم كرامة في الآخرة.