فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 400

حاك في صدرك وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس» (رواه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله عنه) .

والأمر بالتعاون على البرِّ والتَّقوى من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن الكريم، إذ يوجب على الأفراد أن يعين بعضهم بعضا على كلِّ ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وعلى كلِّ عمل من أعمال التَّقوى الَّتي يدفعون بها المفاسد والمضارَّ عن أنفسهم وعن غيرهم، وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على كلِّ ما فيه الخير والفلاح للجميع.

وهكذا استطاعت التربية الإسلامية، بالمنهج الربَّاني أن تُروِّض نفوس العرب على الانقياد لهذه المشاعر القويَّة، والاعتياد على هذا السلوك القويم، بعد أن كان المنهج الجاهلي المسلوك والمبدأ المشهور: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) ، حيث كانت حميَّة الجاهلية مسيطرة، ونعرة العصبية مستولية، وذلك طبيعي في بيئة لا ترتبط بالله ولا تستمدُّ تقاليدها ولا أخلاقها من منهج الله وميزانه. وجاء الإسلام ليربط القلوب بالله ويربط موازين القيم والأخلاق بميزان الله، فأخرج العرب والبشرية كلَّها، من حميَّة الجاهلية ونعرة العصبية وضغط المشاعر والانفعالات الشخصية، في مجال التعامل مع الأصدقاء والأعداء، إلى التعامل مع جميع الخلق بالعدل بل بالإحسان والحلم وسعة الصدر والصفح الجميل.

وهكذا وُلِد الإنسان من جديد في الجزيرة العربية، ولد الإنسان الَّذي يتخلَّق بأخلاق الله، وكان هذا هو المولد الجديد للعرب، كما هو المولد الجديد للإنسان في سائر الأرض. والمسافة الشاسعة بين دَرَكِ الجاهليَّة المتردِّية فيه، وأفق الإسلام الشاهق، هي المسافة بين قول الجاهلية المأثور: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) وقول الله العظيم: {ياأيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوامينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بالقِسطِ ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنآنُ قومٍ على ألاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هو أقربُ للتَّقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون} (5 المائدة آية 8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت