فهرس الكتاب
المذنب بخير، مادام ممسكًا بالعروة الوثقى الَّتي تربطه بحضرة الله، سائرًا في الدرب لم يقع في دائرة اليأس، ومهما تعثَّر فإنه سيصل في النهاية، مادامت الشعلة مضيئة تنير دربه، والأمل يشدُّ عزيمته، ومادام يذكر الله ولا ينساه، ويستغفره مُقِرًّا له بالعبوديَّة.
والإسلام لا يدعو بهذا إلى التهاون، ولا يمجِّد العاثر الهابط، إنما يتجاوز عن عثرة الضعيف ليستثير في النفس الرجاء، وليحضَّ على طلب المغفرة من الله، وأمَّا الَّذين يستهترون ويُصِرُّون على المعصية فقد ظلموا أنفسهم وتعدَّوا على حرمات الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» (رواه البيهقي والبزَّار) ، فالله لم ينكر على الإنسان وقوعه في الذنب، ولكنَّه أنكر إصراره عليه. والإصرار هو امتلاك القوَّة الجسدية والعقلية عند تكرار ارتكاب الذنب مع معرفة أنه ذنب، ومع ذلك يكرِّر فعله من أجل مصلحة أو مكسب أو هوى. فالمرء قد يسرق لظرف ما ثمَّ يتوب، ويردُّ المال المسروق، لكنَّ في تكرار السرقة إصرارًا عليها، وقد يكذب ثمَّ يتوب، لكنه إذا عاد إلى الكذب فهو مصرٌّ عليه. ولكن إذا تيقَّظ الضمير، وآبت النفس إلى جادَّة الصواب، وحاولت إصلاح الخطأ، كان ذلك توبة يفرح الله بها، ومدعاة لمغفرة الذنوب، جاء في الحديث القدسي فيما يرويه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربِّه عزَّ وجل: «أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، ومن تقرَّب إليَّ شبرًا تقرَّبت إليه ذراعًا ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت إليه باعًا وإذا أقبل إليَّ يمشي أقبلت إليه أهرول» (متفق عليه) .
والاستغفار هو طلب المرء المغفرة من الله على ما اقترفه من إثم أو ما قصَّر فيه من عمل، وهو يعجِّل بالخلاص إذا قصد به التوبة النصوح، قال صلى الله عليه وسلم: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلِّ ضيق مخرجًا، ومن كلِّ همٍّ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» (رواه أبو داود) .
والتوبة النصوح تستلزم النَّدم على ما مضى، والإقلاع عن الذنب، والعزم الأكيد على استئناف حياة صالحة فيما يُستَقبَلُ من الزمان، فإن كان ثمَّةَ حقوق للعباد وجب ردُّها إلى أصحابها ما أمكن، وهذه التوبة هي الَّتي يقبلها الله ويفرح بها، وحسب التائب شرفًا أن يقول الله في شأنه: { .. إنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحِبُّ المُتَطهِّرين} (2 البقرة آية 222) .
والمتَّقون الَّذين وصفتهم الآيات بما تقدَّم، لهم ثواب عظيم وأمن من العقاب، وعفوٌ عما سلف من ذنوبهم، وجنَّات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، فنعمت الجنَّة جزاءً لمن أطاع الله.
سورة التحريم (66)
قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا قُوا أنفسَكُم وأهلِيكُمْ نارًا وَقُودُها النَّاسُ والحجارَةُ عليها ملائكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يعصونَ الله ما أمرَهُمْ ويفعَلون ما يُؤمرون (6) }