فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 400

من الأدعية المأثورة: (اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا) ، ولعل هناك رابطًا متينًا بين العورة والقلق الَّذي يروِّع الإنسان ويخرجه عن اتزانه وهدوء أعصابه وتفكيره. وهذا ما أدركه تجار الجنس وحاولوا أن يستغلُّوه، في محاولاتهم المستميتة، للتكسُّب من وراء تأجيج الغرائز الجنسية، بالأفلام الَّتي تتضمَّن مشاهد العري، وما أرفقوها من العنف الَّذي يولِّد القلق وتوتُّر الأعصاب، في أجواء تصيب النفس العفيفة بالغثيان. ذلك لأن الإنسان بشكل عام يخجل من كشف العورة، ويحاول جاهدًا أن يسترها عن أعين الناس، ويرى في هتك الستر عنها شيئًا مخالفًا للآداب العامة. لذلك أتت الشريعة الإسلامية متوافقة مع المبادئ السليمة، محدِّدة ما يباح كشفه وما يجب ستره، وتناولت ما هو أشدُّ أهمية، وهو عيوب النفس وما يحاول الإنسان أن يخفيه منها عوضًا عن أن يعالجه بالتَّقوى ويتخلَّص منه.

وهذا الكلام يقودنا إلى التمييز بين نوعين من العورة: العورة الجسدية، والعورة النفسية. فالأولى تكرَّم الله علينا بسترها فخلق لنا لباسًا يكسوها ويحجبها، ليحفظ لنا ماء وجوهنا ويرفعنا عن مرتبة البهائم، وجعل لنا آدابًا لشكره عليها، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لبس ثوبًا جديدًا قال: «الحمد لله الَّذي كساني من الرِّياش ما أواري به عورتي وأتجمَّل به في الناس» (رواه أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه) . أمَّا العورات النفسية فهي كلُّ عيب من العيوب الخُلقية أو النفسية، ومن حقِّ المسلم على أخيه المسلم أن يستر عورته، فمن سترها على أخيه ستر الله عليه، ومن بحث عنها وأفشاها كشف الله ستره وفضحه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستر عبد عبدًا إلا ستره الله يوم القيامة» (رواه مسلم) .

إن اللباس الأجمل والأرقى الَّذي جعله الله لعباده المخلصين الَّذين حسُنت صلتهم بخالقهم، هو لباس التَّقوى الَّذي يؤهِّلهم لتلقِّي نور الله حيث يفيض على الجوارح، فَيُظهر في عيني صاحبه الصَّفاء والنَّقاء، وفي وجهه النور والبهاء، وفي معاملته الإخلاص والوفاء، وفي مشيته السكينة والوقار، وفي خلقه التسامي والنُّبْل، وفي غضبه الحلم والأناة، وفي لسانه الصدق والعدل، وفي سلوكه الصبر والسماح، وفي مشاعره التواضع والرحمة، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشير إلى صدره الشريف ويقول: «التَّقوى ههنا، التَّقوى ههنا» (رواه الترمذي ومسلم) .

وأجمل ثوب تكسو به التَّقوى صاحبها هو ثوب الحياء، الَّذي جاء فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان» (متفق عليه) وكذلك ورد عن عمران بن حُصَيِن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (متفق عليه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت