وكذلك ما جاء فيما أخرجه البخاري من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو توكَّلتم على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا، وتروح بطانًا» (تغدو خماصًا: أي تغادر أعشاشها صباحًا وهي جائعة، تروح بطانًا: أي ترجع مساءً وهي مليئة البطون شبعى) ، فدَلَّ على أن التوكُّل الحقيقي هو الثِّقة التامَّة بالله والاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه في كلِّ شأن، والتسليم بأن قضاءه نافذ لا محالة، مع الاجتهاد في تلمُّس أسباب المعيشة والرزق.
ـ الرزَّاق، الوهَّاب، الكريم:
قال تعالى: {إنَّ الله هو الرزَّاقُ ذو القوَّةِ المتين} (51 الذاريات آية 58) .
وقال أيضًا: {أمْ عندهم خزائنُ رحمةِ ربِّك العزيز الوهَّاب} (38 ص آية 9) .
وقال أيضًا: {ياأيُّها الإنْسانُ ما غرَّك بربِّك الكريم} (82 الانفطار آية 6) .
الله عزَّ وجل هو الرزَّاق، خلق الأرزاق وأسبابها ثمَّ أفاضها على خلقه. وهو الوهَّاب دائم العطاء والهبات الَّتي لا حدَّ لها ولا عدَّ، يهبها للناس دون مقابل، غير أنَّها لا تتنزَّل عليهم جزافًا، فلكلِّ كائن نصيب مقدَّر منها في علمه تعالى، لا يمكن أن يزيد أو ينقص إلا بمشيئته.
وهو عزَّ وجل أعلم بعباده وبما يُصلح حالهم، لذلك يرزق من يشاء رزقًا واسعًا بغير حساب، ويقتِّر الرزق على من يشاء لحكمة يعلمها. وما على العبد المؤمن، المطمئن القلب بعدالة السلطة الإلهيَّة، إلا أن يبذل ما في وسعه من أسباب في تحصيل الرزق، ومن ثَمَّ يسلِّم أموره جميعها إلى الله الرزَّاق الوهَّاب الكريم، الَّذي يَمُنُّ على خلقه بالنِّعم والهبات، في جودٍ لا يعادله جود، وعطاءٍ لا يضاهيه عطاء.
ـ الغنيُّ، المغني، الحميد:
قال تعالى: {لله ما في السَّمواتِ والأَرضِ إنَّ الله هو الغنيُّ الحميد} (31 لقمان آية 26) .
وقال أيضًا: { .. وإن خِفْتُم عَيْلَةً فسوف يُغْنيكُم الله من فضله إن شاء .. } (9 التوبة آية 28) .
وقال أيضًا: { .. إن يكونوا فقراءَ يُغْنِهِم الله من فضله والله واسعٌ عليم * وليَسْتَعْفِفِ الَّذين لا يجدون نِكاحًا حتى يُغنيَهُمُ الله من فضله .. } (24 النور آية 32 ـ 33) .
الله سبحانه وتعالى غنيٌّ عَمَّا سواه غنىً مطلقًا، وكلُّ شيء مفتقر إليه افتقارًا كلِّيًّا. فله جميع ما في السَّموات والأرض خلْقًا وملكًا، وجميعها منقادة خاضعة لأمره، يتصرَّف فيها كيف يشاء.