الحياة على هذه الأرض مستحيلة. وأخيرًا، أليس الله هو الَّذي قدَّر الموت والحياة؟ فلو عاش الأوَّلون لضاقت الأرض بهم وبمن جاء بعدهم، ولغدا سير الحياة والحضارة بطيئًا؛ لأن تجدُّد الأجيال هو الَّذي يسمح بتجدُّد الأفكار وبتجدُّد أنماط الحياة دون تصادمٍ، بين القدامى والمحدثين، إلا في عالم الفكر والشعور، ولو بقي القدامى أحياءً، عَظُم التصادم والتناقض، وتعطل موكب الحياة المندفع إلى الأمام. فعلينا جميعًا بعون الله تعالى أن ننفِّذ القوانين الإلهية بما يتناسب وكمال هذه القوانين لنصبح أمناء الله في أرضه.
فَمَنِ الَّذي حقَّق وجود هذه الحقائق وأنشأها؟ إنَّه الله لا إله إلا هو، ولكنَّ بعض الناس يغفلون عن هذه الحقائق، وهي كامنة في أعماق نفوسهم، مشهودة في واقع حياتهم، ولكن: {قليلًا ما تذكَّرون} ولو تذكَّرها الإنسان وعقلها، لبقي موصولًا بالله صلة الفطرة الأولى، فلا يغفل عنه ولا يشرك بعبادته أحدًا.
سورة الإسراء (17)
قال الله تعالى: {ويَدْعُ الإنسانُ بالشَّرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكان الإنسانُ عَجُولًا (11) }
ومضات:
ـ الإنسان الحكيم لا يطلب من الله تعالى لنفسه أو لغيره إلا الخير، ولا يستسلم لثورات الغضب أو نوبات اليأس، فيتمنى الهلاك والسوء لنفسه أو لعياله، بل يتحلَّى بالصبر والجَلد، ولا يتخلَّى عن ثقته بالله تعالى الَّذي بيده الخير كله.
ـ قد يطلب الإنسان من الله عزَّ وجل أمرًا يعتقد فيه خيره فلا يستجاب له، فإن صبر ورضي فسرعان ما يتبيَّن له خطؤُه، وأن الخير يكمن فيما اختاره الله تعالى له، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لو اطَّلعتم على ما في الغيب لرضيتم بالواقع» (متفق عليه) .
في رحاب الآيات:
قال الله تعالى: {خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ .. } (21 الأنبياء آية 37) فالعجلة في طبع الإنسان وتكوينه، فهو يمدُّ بصره إلى ما وراء اللحظة الحاضرة، يريد أن يتحقَّق له كلُّ ما يخطر بباله، وكلُّ ما تصبو إليه نفسه، وقد يكون في ذلك ضرره، أو حتَّى هلاكه. إلا أن من امتلأ قلبه بحبِّ الله فإنه يثبت عند الشدائد، ويصبر، وَيَكِل الأمر لله فلا يتعجَّل قضاءه. ذلك أنَّ الإيمان ثقة وصبر واطمئنان، فالمؤمن يتعاطى الأسباب بالشكل الصحيح المدروس، ويخطِّط لكلِّ عمل يقوم به، ويعطي كلَّ مرحلة من مراحل التنفيذ حقَّها من الجهد والعمل والتطبيق؛ فيعمل بوعي وهدوء