فهرس الكتاب
/ في رحاب الآيات:
إن من صفات الله تعالى العزَّة والقوَّة، فإذا تقرَّب العبد من ربِّه طاعةً ومحبَّة وعملًا، أحبَّه الله، وأسبغ عليه ظلالًا من صفاته. فالمؤمن عزيز بالله، ولا عزَّة له بغيره، وكلُّ من يريد هذه العزَّة فعليه أن يطلبها من مصدرها؛ من الله لا من أحد سواه، فالله عنده خزائن السموات والأرض، فهو موجدها وهو المالك الأصلي لها، ولا يُلْتَمَس ذلك من غيره، قال بعض العارفين: [من أراد عزَّ الدارين فليطع العزيز] ولعزَّة المؤمن وجه ناصع يتجلَّى في تواضعه لمخلوقات الله، وحسن معشره معهم، ومخاطبتهم بطيِّب الكلام وعذبه، ولا يقتصر الأمر على مجرَّد الكلام والألفاظ الجميلة، بل يجب أن يقترن بحسن معاملتهم، ومدِّ يد المعونة لهم، وإسداء النصيحة، والبذل من أجلهم، والتضحية في سبيلهم، وهكذا يصعد العمل الصالح إلى عنان السماء، ممزوجًا بطيِّب الكلام ومعسوله، ليجد أبواب السماء مفتَّحة له، وصحائف القبول مشرَّعة له. وكم أضاع أقوام حُسن صنائعهم بقبائح ألفاظهم، فحبطت أعمالهم لدى مولاهم، ونفرت منهم قلوب الخلائق، جاء في الحديث الشريف: «لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، ولا يقبل قولًا وعملًا إلا بنيَّة، ولا يقبل قولًا وعملًا ونيَّة إلا بإصابة السُّنة» (أخرجه أبو القاسم ومجاهد من حديث ابن عباس t) وقال بعض المحبِّين: [إن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع، لأن من خالف قولُهُ فعله فهو وبال عليه] .
وصلاح العمل يكون بالإخلاص فيه، وما كان من هذا القبيل، قَبِلَه الله وأثاب عليه، وما لا إخلاص فيه فلا ثواب عليه، بل عليه العقاب الشديد، فالصَّلاة والزَّكاة وأعمال البرِّ إذا فُعِلَت مراءاة للناس لا يتقبَّلها الله، قال تعالى: {فويلٌ للمُصلِّين * الَّذين هم عن صلاتِهِمْ ساهون * الَّذين هم يُراؤُونَ * ويمنعُونَ الماعون} (107 الماعون آية 4 - 7) والَّذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبًا للعزَّة الكاذبة، والغلبة الموهومة وبثًَّا للفتنة والتفرقة، وقد يبدو في الظاهر أنهم أعزَّاء أقوياء، ولكن هذا وهمٌ ليس له سند من الحقيقة، لأن القول الطيِّب هو الَّذي يُؤْلَف، والعمل الصالح هو الَّذي يثمر، وبهما تكون العزَّة بمعناها الواسع الشامل، أمَّا المكر السيء قولًا وعملًا فليس سبيلًا إلى العزَّة، ولو حقَّق القوَّة الطاغية الباغية في بعض الأحيان، إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العقاب الشديد. ذلك وعد الله، ولا يخلف الله وعده، وإن أمهل الماكرين حتَّى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم.
سورة البقرة (2)
قال الله تعالى: {وإذ قُلنا ادخُلُوا هذهِ القَريَةَ فَكُلُوا منها حَيثُ شِئتُم رغَدًا وادخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نغفِر لكم خَطاياكُم وسَنَزيدُ المُحسِنينَ (58) }