فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 400

فالكذب آفة من أشدِّ الآفات فتكًا بالمجتمع، ومن أشدِّها خطرًا على سلامته، وذلك لما يخلق من عداوة بين الناس، وغرسٍ لبذور الشكِّ في نفوسهم، وتحطيم لعامل الثِّقة فيما بينهم. وما فشا الكذب في أمَّة إلا كثرت فيها المفاسد وشاعت الجرائم، فهو مصدر كلِّ رذيلة، ومنشأ كلِّ كبيرة.

إن من يفتري على الله الكذب ويكذِّب بما جاء به رسله الصَّادقون، يكون قد خرج عن دائرة الإيمان، وهوى في حمأة النفاق، لأنه بافترائه الكذب يصبح أشدَّ ضررًا وإيذاءً من الكافر الَّذي يعلن إنكار الحقيقة وجحودِها، بينما يتجاوز المفتري ذلك إلى اختلاق الأباطيل الَّتي يزرع بها بذور الفتنة والشِّقاق. ويليه في درجة الأذى الكاذب المعرض عن الحقِّ؛ فليس هناك من هو أظلم ممَّن يعرف الحقَّ؛ ثمَّ ينكره ويختلق الأكاذيب حوله وينشرها، وليس ثَمَّةَ من هو أضلُّ ممن نزع عن نفسه حماية الله العزيز القوي، ورفع راية الشيطان يستظلُّ بها، وهي لن تجلب له سوى الإحباط والمهلكات.

ولعلَّ أشدَّ أنواع الكذب خطرًا وتهديمًا أن يكذب الكاذب وهو يَدَّعي أنه يقول الحقَّ مدعومًا بوحي مزعوم يأتيه؛ أو رسالة سماوية تتنزَّل عليه، فهذا ظلم للحقِّ، وظلم للنفس، وظلم للناس. فهو ظلم للحقِّ لأنه تزوير للإرادة الإلهية، وهو ظلم للنفس بإيرادها موارد التهلكة، وهو ظلم للناس لأنه يصرفهم عن جادَّة الحقِّ باسم الحقِّ كذبًا وبهتانًا، والحصيلة النهائية هي هدم القيم الاجتماعية والأخلاقية الَّتي يريد الله إرساءها بين عباده.

ومن الكذب أيضًا أن يزعم المرء أن لله ولدًا أو شريكًا، أو يدَّعي في دينه ما ليس فيه، أو أن يُكذِّبَ بالكتب السماوية أو يحرِّفها أو ينكر بعض ما جاء فيها، أو ينكرها كلَّها مستجيبًا بذلك لأهوائه وشهواته، وأبلغ مثال على ذلك كفر أبي جهل وتكذيبه للنبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بصدقه، فقد روي أن الأخنس بن شُرَيْق التقى بأبي جهل فقال له: [يا أبا الحكم! أخبرني عن محمَّد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس عندنا أحد غيرك يخبرنا، فقال أبو جهل: والله إن محمَّدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب (بنو قصي) باللواء والسقاية والحجابة والنبوَّة فماذا يكون لسائر قريش؟] ، إن هذا النوع من الكذب والتكذيب هو أشدُّه ضررًا وإيذاءً، وهو في الوقت نفسه أشدُّه عذابًا، لأنه جحد للحقِّ عن إصرار وعناد.

وهناك آخرون يتَّخذون من الكذب وسيلة لتحقيق مصالحهم الشخصية، ويستترون بستار التديُّن والصلاح؛ كأن يدَّعي بعضهم أن له مع الله حالًا أو كشفًا أو مشاهدة، ليخدع مخلوقات الله ويوهمهم بالفوقيَّة عليهم، وأنهم محتاجون لبركاته وتوجُّهاته، ليشتري بذلك ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا وزخرفها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت