ويهدف القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته إلى لفت أنظار الناس لمعرفة الإله الحق، وإنارة قلوبهم بأدلَّة التوحيد، وذلك بدعوتهم وحثِّهم على التفكير في ملكوت السموات والأرض ليخلُصَ الإنسان إلى الاعتراف بوحدانية الله وقدرته الباهرة، بعد أن تأمَّل في خلقه المنظور، وتدبَّر معاني كتابه المسطور؛ فعرف خالقه وأحبَّه، وحاذر أن يعصيه. وفي ذلك قال أحد الحكماء: [لو تفكَّر الناس في عظمة الله تعالى لما عَصَوْه] ، وقال آخر: [من نظر إلى الدُّنيا بغير عين العبرة والموعظة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة] .
وللنظر في هذا الكون وظيفة أخرى هي تتبُّع الإبداع الإلهي ودقَّته، وتصوُّر قدرة الله الَّتي تحرِّك نواميسه وتحكم موازينه، لنلمس بذلك جمال الطبيعة، وسحرها وغموضها، إلى جانب عظمتها الَّتي تنبئ عن عظمة مُبدِعها، فيكون لنا فيها الراحة والسرور من جهة، واليقين والإيمان من جهة أخرى. فالدعوة إلى النظر في الكون دعوة للإنسان ليهتدي إلى مبدعه وخالقه، وليعرف حقائق الأشياء وخصائصها؛ كي يتسنَّى له الانتفاع بما أودع الله فيها من قُوى. وكان من نتاج الاستجابة لهذه الدعوة الَّتي دعا إليها القرآن، أن أخذت العقول حريَّتها في النظر والتأمُّل، ونهض كلُّ إمام من أئمَّة العلم يبحث ويدرس ويجتهد في سائر العلوم والفنون، دون أن يجد في ظل الإسلام ما يعوِّق نشاطه الفكري واستقلاله العقلي، وكانت حصيلة ذلك كلِّه، ظهور الحضارة العربية الإسلامية الرائعة، الَّتي كانت أساسًا للنهضة الأوربية، وذلك بشهادة أحد المنصفين منهم عندما قال: [لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخَّرت نهضة أوربا الحديثة عدَّة قرون] .
وممَّا تجدر الإشارة إليه في رحاب الآيات القرآنية السابقة؛ أنها قَرنَتِ التفكُّر في خلق السموات والأرض بالتوجُّه القلبي لذكر الله وعبادته حق العبادة، ليُعلم من هذا بأن الفكر والذكر جناحان لا استغناء عنهما ولا عن أحدهما لمن يريد أن يحلِّق للوصول إلى معرفة الله. فالمؤمنون الَّذين يذكرون الله على اختلاف حالاتهم، قائمين وقاعدين ومضطجعين، ويتفكَّرون في خلق السموات والأرض تتفتَّح بصائرهم على الحقائق الكبرى، ويُغمرون بالعشق الإلهي. فلحظات الذكر عندهم تمثِّل صفاء القلب، وشفافية الروح، وتفتُّح الإدراك واستعداده لتلقِّي بركات السماء، كما تمثِّل التأثُّر والاستجابة، فهي لحظات العبادة، والوصال والتلقِّي، وبالتالي فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر، وأن يكون التفكُّر مُلْهِمًا للحقيقة الكامنة فيها؛ وهي أن هذا الكون لم يُخلق عبثًا ولا باطلًا، فلا يملك المرء بعد كلِّ هذا إلا أن يتوجَّه إلى الله متضرِّعًا معلنًا قناعته بحكمته تعالى في خلق المخلوقات قائلًا: {ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلًا} . وهذا من أدب المؤمن مع الله؛ فهو حين يهتدي إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه في بديع خلقه، ويستشعر عظمته، ينطلق من الإقرار إلى الدعاء طالبًا من مولاه أن يجنِّبه عذاب النار وأن يوفِّقهُ إلى صالح الأعمال، لتكون وقاية تحول دون سخطه، ووسيلة تقرِّب إلى رضاه.
فمن أوائل الدلائل على عظمة الله عملية الخَلْق، وقد تحدَّى الله من يدَّعون الألوهية وينسبونها لغيره؛ عن طريق مَثَلٍ ضربهُ لهم بواحدة من أحقر مخلوقاته شأنًا، ألا وهي الذبابة، ليقيم عليهم الحُجَّة والبرهان؛ فيتوصلوا إلى الإقرار بعظمته والاعتراف بالعجز عن تقديره حقَّ قدره.