فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 400

سورة النحل (16)

وقال أيضًا: {وألْقَى في الأَرضِ رَواسِيَ أن تَمِيدَ بكم وأَنهارًا وسُبُلًا لعلَّكم تهتدون}

ومضات:

ـ جعل الله تعالى الأرض مذلَّلة بين يدي الإنسان ليعيش عليها ويقتات من خيراتها، ويذكر أنها مجرَّد مَعْبَرٍ له للوصول إلى يوم البعث والقيامة.

ـ تتجلَّى الحكمة الإلهية في خلق الجبال في أهميتها العظيمة لحفظ توازن الأرض ومن عليها.

في رحاب الآيات

إن الناس لطول إلفتهم الحياة على هذه الأرض، ولسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها، واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها، ينسَوْن مدى الإبداع والإعجاز فيها، ويتغافلون عن نعمة الخالق في تذليلها لهم وتسخيرها لمنفعتهم. والقرآن الكريم يذكِّرهم بهذه النعمة العظيمة، ويبصِّرهم بها، في هذا التعبير الَّذي يدرك حقيقته كلُّ جيل بقدر ما ينكشف له من علم عن هذه الأرض الذَّلول. ولكي نفهم معنى كلمة (ذَلول) وكيف أن الله تعالى ذلَّل الأرض وسخَّرها للإنسان لتوفير المنافع الدنيوية له، علينا أن نجري دراسة عن حجم الأرض وتكوينها الجيولوجي، وأهمِّية دورانها حول نفسها وحول الشمس بالنسبة لاختلاف الليل والنهار، وتغيُّر الفصول على مدار العام، وكذلك ما تحتويه من خيرات وأرزاق، وما يحكمها من القوانين والأسباب لقيام الحياة على وجهها. فما إِنْ نتفهَّم أهمِّية ذلك كلِّه حتَّى ندرك عظمة الخالق المنشئ، في تذليل تلك الكتلة الجبَّارة للإنسان؛ يسرح فيها ويمرح كيفما شاء، ويزرع ويحصد، ويبني ويشيِّد، وهي بين يديه ليِّنة العريكة كالطفل المستكين الوديع. ومع ذلك فهي تبقى مملوكة أبدًا لخالقها ومبدعها، يبقيها ما شاء لها البقاء، ويفنيها حين يشاء لها الفناء، ويزلزل بعضًا منها لتبتلع مدنًا بكاملها، أو يأمر جوفها بالانفجار، فتثور البراكين الَّتي تدمِّر ما فوقها وما حولها، وهكذا إلى أن يحين أجلها، فتفنى وتزول إيذانًا بالبعث والقيامة. وأمام تصريف الله لملكه يبقى الإنسان صغيرًا بنفسه، كبيرًا بصلته الوثيقة بالله القدير المتعالي.

والنصُّ القرآني يشير إلى هذه الحقائق ليَعِيَها كلُّ فرد وكلُّ جيل بالقدر الكافي، ليشعر بيد الله وهي تتولاه وتتولى كلَّ شيء حوله، والَّتي لو تراخت لحظة واحدة عن الحفظ لاختلَّ هذا الكون، وبمقدار ما يعي الإنسان هذه الحقيقة يلبِّي دعوة الرحمن بالمشي في مناكبها والأكل من رزقه فيها. والرزق هنا أوسع مدلولًا ممَّا يتبادر إلى أذهان الناس؛ إذ أنه لا يقتصر على كسب المال، وإنما يتعدَّاه ليشمل استثمار كلِّ ما أودعه الله في جوف هذه الأرض من الأرزاق المخبوءة، من معادن صلبة وسائلة وغيرها. على أنَّ الرزق مقدَّر من قبل الله بزمن محدَّد في علمه وتدبيره، فإذا انقضى هذا الزمن كان الموت، وكان النشور والرجوع، فإلى أين المصير إن لم يكن إليه؟ وكيف يكون لغيره والمُلك بيديه، ولا ملجأ منه إلا إليه، وهو على كلِّ شيء قدير؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت