فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 400

وتجدر الإشارة إلى أن الإنسان قد عرف الملائكة منذ خلق آدم، فهم سابقون عليه بالوجود، يدلُّ على ذلك قوله تعالى: {وإذ قال ربُّكَ للملائكةِ إنِّي جاعلٌ في الأَرضِ خليفةً .. } (2 البقرة آية 30) . فهو بيان على أنه عزَّ وجل قد أخبر الملائكة أنه سيخلق الإنسان ويستخلفه في الأرض، ولمَّا خلقه أمَرَهُم بالسُّجود له سجود تحيَّة وتكريم لا سجود عبادة وتعظيم، قال تعالى: {وإذْ قُلنا للملائكة اسجدوا لآدمَ فسجدوا .. } (2 البقرة آية 34) .

إلا أن هذه المعرفة ما لبثت أن انحرفت وتشوَّهت مع تعاقب الأجيال والعصور، وضاعت حقيقتها مع تقادم الزَّمان، ولم يبقَ في أذهان الناس عن الملائكة سوى شتات من الحقيقة، ولقد ادَّعى بعضهم أن الملائكة بنات الله، فردَّ الله عليهم ادعاءهم وعرَّفهم بحقيقتهم في الآيات المذكورة، فأثبت لهم وصف المخلوقات المكرَّمة، العابدة لله، والعاملة بأمره دون تردُّد أو اعتراض، والوَجِلة منه الخاشعة له. ودلَّ على أنها لا تملك من الأمر شيئًا، ولا تستطيع القيام بأي عمل إلا بإذنه تعالى ورضاه؛ فهي مجبولة على الطاعة، تعمل وفق اتِّجاه الخير؛ فلا تضلُّ ولا تطغى، بل تبقى على حالٍ من العبادة لا يتبدَّل، تسجد لله وتمجِّده، ولا تعصيه طرفة عين ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، قال تعالى: {ولله يسجد ما في السَّموات وما في الأَرضِ من دابَّةٍ والملائِكَةُ وهم لا يَسْتكبِرون * يخافون ربَّهم من فوقِهم ويفعلون ما يُؤْمَرون} (16 النحل آية 49 ـ 50) .

والملائكة مخلوقات مطهَّرة، قوامهم النُّور؛ فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلق الجانُّ من مارج من نار، وخُلق آدم ممَّا وُصف لكم» . وقد خصَّهم الله تعالى بمنزلة رفيعة، ووصفهم بالكرام البررة فقال: {بأيدي سَفَرة * كِرامٍ بَرَرَة} (80 عبس آية 15 ـ 16) . وجعل الإيمان بهم جزءًا لا يتجزأ من الإيمان الشَّامل فقال: {آمن الرسولُ بما أُنْزِل إليه من ربِّه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه .. } (2 البقرة آية 285) . كما جعل الكفر بهم جزءًا من الكفر المطلق فقال: { .. ومن يكفرْ بالله وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليوم الآخرِ فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا} (4 النساء آية 136) . لذلك يتعيَّن على المسلم أن يقرن إيمانه بالله تعالى بإيمانه بوجود الملائكة كبعضٍ من خلق الله. فحقيقة وجودهم حقيقة غيبيَّة لا سبيل للإدراك البشري أن يلمسها بذاته، وبوسائله الحسيَّة والعقلية الخاصَّة به، لذلك فهو لا يملك إلا التسليم بها دون البحث فيها. وقد جاء القرآن الكريم على ذكر هذه المخلوقات اللطيفة كي يأنس قلب المؤمن بها ويعلم أنها تحفُّ به، وتشاركه إيمانه بربِّه، وتستغفر له، وتعينه على الخير. أمَّا عن أوصافهم الشكلية فنستشفُّ ذلك من آيات قرآنية وأحاديث كثيرة صحيحة دلَّت على أن الملائكة ذوو أجنحة مثنى وثُلاثَ ورُبَاع، قال تعالى: {الحمدُ لله فاطرِ السَّمواتِ والأَرضِ جاعِلِ الملائكةِ رُسلًا أُولِي أجنحةٍ مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ يزيدُ في الخلق ما يشاءُ إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير} (35 فاطر آية 1) . ومع كون الملائكة مخلوقات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت