فالمعركة بين أبناء آدم عليه السلام وإبليس، قائمة إلى أجلها وهو يوم البعث والنشور، قديمة في إعلانها، قد أعلنها الشيطان حربًا، ومُنِحَ بها من الله إذنًا، فأَذِنَ فيها سبحانه لحكمة أرادها، ولكنَّه لم يترك الإنسان فيها مجرَّدًا من العدَّة، بل سبق الوعد منه والعهد بإغاثة المستجيرين به، وحماية اللاجئين إليه، فيمنحهم الأمن والاطمئنان ماداموا في كنفه وتحت رعايته. ومع أنَّنا لا ندري جميع الحِكَم الإلهية في إذنه تعالى بهذه الحرب، فإنَّ القرآن الكريم أكَّد على أنَّ كيد الشيطان يقتصر على أوليائه، أمَّا المؤمنون الصادقون فلا سلطان له عليهم، وكلَّ سلاح يستعمله ضدَّهم مفلول فاشل، قال تعالى: {فإذا قرأتَ القرآن فاستعِذْ بالله من الشَّيطان الرَّجيم * إنَّه ليس له سُلطانٌ على الَّذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلون * إنَّما سُلطانُه على الَّذين يَتَوَلَّوْنَه والَّذين هم به مشركون} (16 النحل آية 98 ـ 100) .
ولدخول الوسواس إلى قلب الإنسان طريقان، طريق خفيٌّ: وهو الَّذي تسلكه شياطين الجنِّ، وطريق ظاهر: وهو الَّذي يسلكه شياطين الإنس، فيأتون إلى الإنسان بصور وأشكال شتَّى؛ فيأتي أحدهم بصورة الصديق المحبِّ الناصح، فيبثُّ في جليسه الشرَّ والأذى من حيث لا يحتسب، أو يأخذ وظيفة النمَّام الواشي الَّذي يزيِّن الكلام، ويزخرف القول حتَّى يبدو وكأنَّه الحقُّ الصريح الَّذي لا مراء فيه، بغية زرع العداوة والبغضاء، أو يمتهن عمل بائع الشهوات، الَّذي يتسلَّل إلى منافذ الغريزة في إغراءات لا تدفعها إلا يقظة القلب ورعاية الله وحفظه. ويلعب دوره الكبير في التأثير بحاشية السوء الَّتي توسوس لكلِّ ذي سلطان، حتَّى تتركه طاغية جبَّارًا، مفسدًا في الأرض مهلكًا للحرث والنسل. ولعل الوسواس الَّذي يأتي للإنسان من طريق أبناء جنسه، أعظم شرًّا وأشدُّ خطرًا من الوسواس الَّذي يأتيه من شيطان الجنِّ؛ لأن هذا الأخير يخنس ويَضْعُفُ أثره بمجرَّد ذكر الله والاستعاذة به، أمَّا شيطان الإنس فلا يردعه ذكر ولا تطرده استعاذة، ويبقى قائمًا على صاحبه متسلِّطًا عليه حتَّى يهلكه. وفي كلتا الحالتين لا ملجأ للإنسان إلا الله، فإن أراد حماية نفسه من شرور الوساوس أيًّا كان مصدرها فعليه أن يحتمي بالركن المتين، بربِّه، إلهه وإله الناس أجمعين؛ عندها ينصره الله ويجعله من الغالبين.
ومجمل القول: إن الله تعالى عندما أذن لإبليس بالحرب أخذ بناصيته، ولم يسلِّطه إلا على الَّذين يغفلون عن ربِّهم مَلِكِهِمْ وإلههم، أمَّا من يذكرونه فهم في نجاة من الشرِّ ودواعيه الخفيَّة. فالخير إذن يستند إلى القوَّة الَّتي لا قوَّة سواها، والشرُّ يستند إلى وسواس خنَّاس يضعف عن المواجهة ويخنس عند اللقاء، وينهزم أمام الاستعاذة بالله. وهذا أكمل تصوُّر للحقيقة القائمة على الخير، كما أنه أفضل تصوُّر يحمي القلب من الهزيمة، ويملؤه بالقوَّة والثِّقة والطمأنينة، قال تعالى: {أَلا إنَّ أوليَاءَ الله لا خَوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون} (10 يونس آية 62) .