فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 54

قد يقول قائل: إن المشركين ممن يسبون الله عز وجل عملًا، وهذا من أعظم الظلم الذي جعله الله عز وجل ظلمًا في قوله جل وعلا على لسان العبد الصالح: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، فهذا ظلم للإنسان لنفسه، وهضم لحق الله عز وجل, فهو ضرب من ضروب السب لله عز وجل، والإشراك مع الله عز وجل غيره، فإذا تلفظ المشركون بالسب لله عز وجل فلن يزيد ذلك من كفرهم، ولكن يقال: إن المصلحة في ذلك ألا يظهر في مجالسهم كفر زائد عن كفرهم، فإنهم في كفر؛ وهو عبادة غير الله عز وجل، لكن ظهور سب الله جل وعلا ليس بظاهر في مجالسهم، فإذا تجرأ المسلمون على سب آلهتهم؛ سُبَّ الله عز وجل عدوًا بغير علم؛ فجعل الله عز وجل من تسبب في ذلك كحال من سب الله عز وجل؛ لأنه تذرع بذلك، والشريعة تنص على جعل المتسبب في حكم الفاعل في بعض الأحيان، كما منع الله سبحانه وتعالى من أن يسب الرجل أبا الرجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لعن الله من لعن أباه! قالوا: يا رسول الله! أو يلعن الرجل أباه؟! قال: نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب الرجل أباه) ، فجعل المتسبب في حكم الفاعل، فهذا ينظر إليه الناظر من جهة المآل، ولهذا لو لم يرد نص في كلام الله عز وجل: لا تسبوا آلهة المشركين فيسب الله عز وجل، فقد يقول بعض قصار النظر: إن ذلك لا يزيد في كفرهم شيئًا، وهذا من أبواب إثبات العقيدة, وإظهار أنهم كانوا على الكفر، لكن يقال: إن ذلك لا يقتضي إضمار عقيدة التوحيد، ولا بيان خطر الشرك، وإنما يقتضي عدم الإفضاء إلى سب الله سبحانه وتعالى، وإظهار ذلك في مجالس الناس وأنديتهم؛ لأن الله عز وجل يتنزه عن ذلك، مما يدل على أن الشريعة جعلت ذلك من المعتبرات؛ لأن أصل التشريع محافظ عليه، وهو حماية التوحيد, وحماية جنابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت