كذلك أيضًا في البلاد التي يفتحها المسلمون, والتي يصل إليها الإسلام؛ ينبغي أن ينشر فيها الإسلام على سبيل التدريج، فإذا فتحت بلد من بلدان المسلمين أرى أنه من غير الصواب: أن يطوف المسلمون على المحلات التجارية ويمنعونهم من الربا، وأن يأتوا إلى مدارس العجم ويمنعوهم من الاختلاط، وأن يأتوا إلى بعض معاملاتهم في البيع والشراء فيحرمونها، وكذلك بعض عاداتهم، وإنما يتدرج فيهم في ذلك؛ بتقرير التوحيد وأصول الديانة، ثم ينزل مع ذلك شيئًا فشيئًا، فيترك العمل ولا يبين أنه مباح؛ لأنه لو قيل: إنه مباح في الشريعة فهذا تبديل، وهذا الذي لا يجوز، فلو دعا المسلمون المشركين إلى مثل ذلك فقد دعوهم إلى كفر وزندقة، فلو قالوا: إن الربا مباح في الشريعة فبيعوا، فإن هذا كفر, وليتهم ما فتحوا هذا البلد، فهم دعوا هذا البلد إلى شريعة مبدلة ومحرفة، لكن لو فتحوا هذا البلد ووجدوا الناس يبيعون وتركوهم، وهذا قد وقع فيه جملة من المجاهدين في سبيل الله في بعض البلدان التي دخلوها في أعصار ماضية، فمنعوا الربا في الدكاكين، ومنعوا جملة من المحرمات التي تحتاج من جهة الأصل إلى التدرج؛ لأن هذا يوغل نفوس الناس وينفرهم، خاصة في أمثال الجزئيات التي يتعاملون معها على وجه الإكثار، وكذلك يلحق هذا في بعض بلدان المسلمين التي استحكم فيها الطغيان, والتي بدلت شريعة الله عز وجل على وجه الإجمال، وحكمها طواغيت لا يحكمون بالشريعة؛ يتجرد في ذلك تحقيقًا للمصلحة، وفتحًا لذريعة عظيمة، وهو أنه إما أن يتحقق الكمال عبر هذه القلة، وإما أن يمنع ذلك كله، وهذا يرجع إلى من وقع في مثل هذه الحال من أهل العلم فيفتي في ذلك، وهذا يرجع إلى ما تقدم الكلام عليه أنه ينبغي للعالم ألا يفتي فيما بعد عنه ونأى؛ حتى يشدد في تصور هذه المسألة، ولهذا ما فعله جماعة من المجاهدين الذين يرجى لهما الإخلاص في مثل هذا في بعض البلدان التي دخلوها ما جعل لهم فيها القبول، وما بقوا