وقد أناط الله جل وعلا الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام مسلم من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وما وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .وهذه المراتب دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يوجد في الأمة، فإذا خليت الأمة من هذه الشعيرة ولو بأدنى مراتبها، فإنه قد انتفت منها الخيرية، وبه نعلم أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمسك بهدي السلف الصالح وخاصة الخلفاء الراشدين الأربعة هو ذات المعنى الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عمران وعائشة وغيرهما: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .وهذه الخيرية إشارة إلى قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110] ، أي: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، فلم يكن ثمة أمة بقيت بها هذه الشعيرة يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فتكون ثمة أمة قائمة ظاهرة على أمر الله، لا يضرها من خذلها، ولا من كذبها إلى أن تقوم الساعة إلا هذه الأمة، وهذه من خصائص هذه الأمة أن يبقى الدين ظاهرًا لا يضره الخذلان، والإشارة إلى معنى الخذلان إلى وجود من يظن فيه الخير، فبدر منه الخذلان من أهل الإسلام ممن يكون من أهل الجلدة، ممن يتكلم باللسان ممن يكون من الدعاة على أبواب جهنم الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث حذيفة بن اليمان، ويأتي سياقه بإذن الله.