إن أصل التشريع الذي أمر الله سبحانه وتعالى بتفحصه واستخراج مكامن ومواضع المعروف، وكذلك المنكر من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أمرت بالتحاكم إليه الأمة في سائر العصور والأمكنة، مهما تغير الحال، وتبدل الزمان، أمرت الأمة بالرجوع إلى هذا المصدر من الوحي؛ لأن الأمة إذا كانت تدعي أنها على الإسلام وجب عليها أن تأخذ من المصدر الأصلي، ووجب عليها حينئذٍ أن تعرف المعروف على هذا المعنى، وأن تعرف المنكر على هذا المعنى، وأن تحذر من أي مصطلحات أخرى تقلب المعروف إلى المنكر، وتقلب المنكر إلى المعروف. ولهذا من نظر إلى أحوال الأمم السابقة من بني إسرائيل، ومن سبقهم وجد أن التنازع بين الطوائف طوائف الحق، وبين طوائف الباطل هو تنازع مصطلحات وحقائق، فإن الإنسان إذا أراد أن ينظر إلى دعوة فرعون حينما دعا قومه من بني إسرائيل وجد أنه يستعمل ذات العبارات التي يستعملها موسى عليه السلام من الدعوة إلى الحق والرشاد، وكذلك موسى عليه السلام استعمل هذه العبارات، فينخدع من عامة الناس ودهمائهم بالانسياق خلف هذه المصطلحات إذا كان الإنسان لا ينظر إلى معاني تلك المصطلحات، ويتفحص تلك المعاني، ويزنها بميزان الشرع، فإنه إن وزنها بميزان الشرع تبين له الخير من الشر، وتبين له المعروف من المنكر، وعلم أن هذه المصطلحات وإن استعملها الإنسان لا تقتضي عذرًا لمن وصل إليه ذلك المصطلح أن هذا هو الحق، وذاك هو الباطل، ولو كان منكوسًا، فإن الإنسان لا يعذر بذلك، ولهذا عذب الله جل وعلا الأمم السابقة، وإن كانت تدعي أنها دعيت إلى الحق.