وأخرج البخاري عنه حديثًا آخر، وهو من أواخر من توفي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلينا المدينة) انظروا ذاك في الشام والعراق، وهذا في المدينة، (قدم إلينا في المدينة فقلنا: هل تنكر من أمرنا مما كان عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء؟ قال: لا، إلا تسوية الصفوف) ، وهذه إشارة إلى مسألة معينة، أما بالنسبة لأهل الشام والعراق، فقال: (لم أعهد شيئًا مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمر الصلاة وضيعتم ما ضيعتم) ، فأشار إلى مسألة أداء الصلاة وتضييع أوقاتها، لماذا؟ لأنه كان على العراق في تلك الولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، فبدل من بدل، مع وجود هذا التغيير الذي بدل فيه وجد من كان يتبع الأسياد ممن كان في زمن الحجاج ممن أضله الله جل وعلا حتى من الصالحين، وقد ترجم ابن حبان في كتابه الثقات لأحد الرواة فقال: وكان حجاجيًا، يقول: من كان مع الحجاج فهو على الإسلام، ومن لم يكن مع الحجاج فليس على الإسلام، مع ظهور بغيه وعدوانه وقتله للصالحين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللصالحين أيضًا من التابعين، مما يدل على أن القلوب تتشوف، وتذوب مع ما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر الله جل وعلا منه في كتابه العظيم، وجعله سببًا للطغيان.
وأعظم الطغاة في هذه الأرض ممن قص الله جل وعلا علينا قصصه في القرآن بعد إبليس فرعون وقارون، قارون هلك بالمال، وفرعون طغى وضل بالسلطان، وهذان إن اجتمعا حبهما في قلب عالم وصالح ضل، وبقدر ما يشرب قلبه من ذلك بقدر ما يضل عن الصراط المستقيم، وقال الله جل وعلا في بيان وجود هذا الأمر في قلب الإنسان حينما يكون المحشر: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] ، ذكر الأمرين: المال والسلطان، أي: أنها هي التي تصرف الإنسان على الحق.