وقد روى الطبري في كتابه تهذيب الآثار من حديث محمد بن شهاب الزهري عن محمود بن الربيع عن شداد بن أوس قال: (يا معشر العرب! أخوف ما أخاف عليكم) ، وقد جاء مرفوعًا أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية. قالوا: وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة) ، وحب الرئاسة إذا وجد في قلب الإنسان صد وضل عن الحق، وكثير من الناس حينما يكون متقررًا في نصوص الشريعة من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضلال كثير من الناس بسبب السلاطين وفرضهم لأمور تخالف الشريعة، ولهذا نجد أن ما يطمس العمل الحق في الأزمنة على اختلاف أمكنتها يكون بظهور عمل الباطل بأمر السلطان، هذا أمر.
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلًا والباطل حقًا، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقًا وهذا باطلًا. الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيمًا هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكدًا في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد. ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.