والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: (إن الله لا يقبض العلم) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس. وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل. ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: (ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف) ، وجاء في رواية: (حب المال والشرف لدينه) ، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.