الصُّورة الخامسة: أن ينويَ الإمامُ دون المأموم، كرَجُلٍ جاء إلى جَنْبِ رَجُل وكبَّر، فظنَّ الأول أنه يريد أن يكون مأمومًا به فنوى الإمامة، وهذا الرَّجُل لم ينوِ الائتمام، فهنا لا يحصُل ثواب الجماعة لا للإمام ولا للمأموم. ولو قال قائلٌ بحصول الثواب للإمام في هذه الصُّورة لم يكن بعيدًا.
الصُّورة السادسة: أن يتابعه دُون نيَّة، وهذه لا يحصُل بها ثواب الجماعة لمن لم ينوِها؛ وصورتها ممكنة فيما لو أنَّ شخصًا صَلَّى وراء إمام لا تصحُّ صلاتُه، لكن تابعه حياءً دون نيَّة أنه مأموم، أو يُحْدِث وهو مأموم، ويخجل أن ينطلق ليتوضَّأ فيتابع مع النَّاس، وهو لم ينوِ الصَّلاة لأنه محدث، وهذه تقع مع أن هذا لا يجوز، والواجب أن ينصرف فيتوضَّأ ثم يستأنف الصَّلاة.
ثم ذكر المصنف أنواع الانتقالات في النيَّة.
النوع الأول: ما ذكره في قوله: «وَإنْ نَوَى المُنْفَردُ الائْتِمَامَ لَمْ تَصِحَّ» ، يعني: إذا انتقل من انفراد إلى ائتمام لا تصحُّ الصلاة. مثاله: شخصٌ ابتدأ صلاته منفردًا؛ ثم حضرت جماعة فصلُّوا جماعة؛ فانتقل من انفراده إلى الائتمام بالإمام الذي حضر، فإن صلاتَه لا تصحُّ، وهذا هو المذهب. والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يصحُّ أن ينويَ المنفرد الائتمام، وهذا هو الصَّحيح.
فإذا قال قائل: على القول بالصِّحَّة، إذا كان قد صَلَّى بعضَ الصلاة، وحضر هؤلاء لأداء الجماعة مثلًا في صلاة الظُّهر، وكان قد صَلَّى ركعتين قبل حضورهم، فلما حضروا دخل معهم، فسوف تتمُّ صلاته إذا صَلُّوا ركعتين، فماذا يصنع؟ فالجواب: يجلس ولا يتابع الإمام؛ لأنه لو تابع الإمام للزم أن يُصلِّي ستًّا، وهذا لا يجوز، فيجلس وينتظر الإمام ويُسلِّم معه، وإن شاء نوى الانفراد وسلَّم، فهو بالخيار.
النوع الثاني: الانتقال من انفراد إلى إمامة، وقد ذكره بقوله: «كنيَّة إمامته فرضًا» ، أي: كما لا يصحُّ أن ينتقل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض. مثاله: رَجُلٌ ابتدأ الصَّلاة منفردًا، ثم حضر شخصٌ أو أكثر فقالوا: صلِّ بنا، فنوى أن يكون إمامًا لهم، فقد انتقل من انفراد إلى إمامة، فلا يصحُّ؛ لأنه انتقل من نيَّة إلى نيَّة، فتبطل الصَّلاة كما لو انتقل من فَرْض إلى فَرْض.
وعُلِمَ من قول المؤلِّف: «كنيَّة إمامته فرضًا» ، أنه لو انتقل المنفردُ إلى الإمامة في نَفْل فإن صلاته تصحُّ. والقول الثاني في المسألة: أنه يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة في الفرض والنَّفْل. والقول الثَّالث في المسألة: أنه لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى إمامة؛ لا في الفرض ولا في النَّفْل، كما لا يصحُّ أن ينتقل من انفراد إلى ائتمام لا في الفرض ولا في النَّفْل، وهذا هو المذهب. والصَّحيح: أنه يصحُّ في الفرض والنَّفْل.