الصفحة 18 من 354

قضاء حاجته، ولهذا ذكر صاحب"النُّكت"ابن مفلح ـ رحمه الله ـ هذه المسألة وقال: وظاهر استدلالهم يقتضي التَّحريم، وهو أحد القولين في المسألة.

أما إذا كان قاضِيَا الحاجة اثنين، ينظر أحدهما إلى عورة الآخر ويتحدَّثان فهو حرام بلا شَكٍّ، بل إن ظاهر الحديث الوارد فيه ـ لولا ما فيه من المقال ـ أنه من كبائر الذُّنوب؛ لأن الرَّسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخبر أن الرَّجُلين إذا فَعَلا ذلك فإن الله يمقت عليه. والمَقْتَ أشدُّ البُغض، وأما إذا لم ينظر أحدهما إلى عورة الآخر؛ فأقلُّ أحواله أن يكون مكروهًا. والإمام أحمد نصَّ على أنه يُكره الكلام حال قضاء الحاجة، وفي رواية عنه قال:"لا ينبغي". والمعروف عند أصحابه أنه إذا قال:"أكره"، أو"لا ينبغي"أنه للتَّحريم.

فالحاصل: أنه لا ينبغي أن يتكلَّم حال قضاء الحاجة، إلا لحاجة كما قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ كأن يُرشِدَ أحدًا، أو كلَّمه أحد لا بدَّ أن يردَّ عليه، أو كان له حاجة في شخص وخاف أن ينصرف، أو طلب ماء ليستنجيَ، فلا بأس.

جقوله:"وبولُه في شَقٍّ", يعني: يُكرَهُ بولُه في شَقٍّ والشَّقُّ: هو الفتحةُ في الأرض، وهو الجُحر للهوامِّ والدَّواب، وظاهر كلامهم أنَّه ولو كان الشَّقُ معلوم السَّبب كما لو كانت الأرض قيعانًا، ويبس هذا القَاع ففي العادة أنه يتشقَّقُ.

جقوله:"ونحْوِه", مَثَّلَ بعضهم بفم البَالوعة، وهي مجتمع الماء غير النَّظيف، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها تبتلعُ الماءَ.

والكراهة تزول بالحاجة، كأن لم يجدْ إلا هذا المكان المتشققَ.

قوله:"ومسُّ فرجِه بيَمِيِنه", يعني: يُكرَهُ لقاضي الحاجة مسُّ فرجه بيمينه، لحديث أبي قتادة:"لا يُمْسِكَنَّ أحدُكُم ذَكَرَه بيمينه وهو يبول". ومن تأمَّل الحديثَ وَجَدَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قيَّده بحال البول. وقد اختلف العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في القَيد، هل هو مرادٌ بمعنى أن النهيَّ وارد على ما إذا كان يبول فقط أم هو مطلق. والأحوط: (للإنسان) أن يتجنَّب مسَّهُ مطلقًا، ولكن الجزم بالكراهة إنَّما هو في حال البول للحديث، وفي غير حال البول محلُّ احتمال، فإذا لم يكن هناك داعٍ ففي اليد اليُسرى غنيةٌ عن اليد اليمنى.

قوله:"واستنجاؤه واستجماره بها", يعني: يُكرَهَ استنجاؤه واستجماره بيمينه. والفرق بينهما: أن الاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجر ونحوه. أما إذا احتاج إلى الاستنجاء، أوالاستجمار بيمينه؛ كما لو كانت اليُسرى مشلولة فإن الكراهة تزول، وكذا إن احتاج إلى الاستجمار باليمين؛ مثل أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت