حقِّكَ سُنَّة. وهذا هو المذهب، أعني التفريق بين القول المسنون والفعل المسنون، حيث قالوا: إنْ أتى بقول مشروع في غير موضعه سُنَّ له سجود السَّهو، وإن أتى بفعل مسنون في غير موضعه لم يُسنَّ له السُّجود، وفي هذا التفريق نظر؛ فإن عموم الأدلة في السُّجود للسَّهو يقتضي أنْ لا فَرْقَ.
قوله: «وإن سلم قبل إتمامها عمدًا بطلت» ، أي: إذا سَلَّم قبل إتمام الصلاة بقصد الخروج منها عمدًا بطلت.
قوله: «وإن كان سهوًا ثم ذكر قريبًا أتمها وسجد» ، أي: وإنْ كان السَّلام سهوًا ... إلخ وظاهر كلامه العموم، وأنه لا فَرْقَ بين أن يُسلِّم ظانًّا أنّها تمَّت، وبين أن يُسلِّم جازمًا أنها تمَّت؛ لكونه يظنُّ أنه في صلاة أخرى، وبين المسألتين فَرْقٌ، فإذا سَلَّم ظانًّا أنها تمَّت؛ فهذا ما أراده المؤلِّف، مثل: مَنْ سَلَّم مِن ركعتين في صلاة رباعية فيتمُّ ويسجد للسَّهو. وأما إذا سَلَّمَ على أنها تمَّت الصَّلاة؛ بناءً على أنه في صلاة أخرى لا تزيد على هذا العدد، مثل: أن يُسلِّم مِن ركعتين في صلاة الظُّهر؛ بناءً على أنَّها صلاة فجر، فهنا لا يبني على ما سَبَقَ، لأنه سَلَّم يعتقد أن الصَّلاة تامَّة بعددها، وأنه ليس فيها نقص، فيكون قد سَلَّمَ من صلاة غير الصَّلاة التي هو فيها، ولهذا لا يبني بعضها على بعضٍ.
لكن لو ذَكَرَ وهو قائم، فهل يبني على قيامه ويستمر، أم لا بُدَّ أن يقعد ثم يقوم؟ قال الفقهاء - رحمهم الله: لا بُدَّ أن يقعد، ثم يقوم.
فإن قيل: إنَّ النهوض ليس رُكنًا مقصودًا، ولكنه مِن أجل أن يكون قائمًا، وبناءً على ذلك لا يلزمه أن يجلس ثم يقوم، كما قال به بعضُ العلماء. فالجواب: أنَّ ما ذَكَرَه الفقهاء - رحمهم الله - أحوط، فنقول: إذا كان الإِنسان قد نَهَضَ ثم ذَكَرَ، أو ذُكِّرَ، جَلَسَ، ثم قَامَ، وأتمَّ الصَّلاة.
قوله: «فإن طال الفصل» لم يُبيِّن المؤلِّف مقدار الفصل، فيُرجع في ذلك إلى العُرف. ومثال الفصل القصير: أن يكون الفَصْلُ كالفصلِ في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في قصةِ ذي اليدين، فإنه قام إلى مقدَّم المسجد، واتكأ على خشبة معروضة هناك، وتراجع مع الناس، وخرج سُرعان الناس من المسجد وهم يقولون: قُصرت الصَّلاة. فما كان مثل هذا، كثلاث دقائق، وأربع دقائق، وخمس دقائق وما أشبهها، فهذا لا يمنع مِن بناء بعضها على بعض، وأما إن لم يَذْكُر إلا بعد زمن طويل كساعة أو ساعتين، فإنه لا بُدَّ مِن استئناف الصَّلاة.
قوله: «أو تكلم لغير مصلحتها, ككلامه في صلبها, ولمصلحتها إن كان يسيرًا لم تبطل» ، أي: بعد أن سَلَّمَ قبل إتمام الصَّلاة تكلَّم بكلام لغير مصلحة الصَّلاة فإنها تبطل.
فَصَّلَ المؤلِّف في الكلام، وجعله على أقسام؛ فيما إذا تكلَّم بعد سلامه ناسيًا:
القسم الأول: أن يتكلَّم لغير مصلحة الصَّلاة، فهنا تبطل بكلِّ حال.