فيقول صاحب الروض: إن هذا مكروه. والصحيح في هذه المسألة: أن إيثار غيره إذا كان فيه مصلحة كالتأليف فلا يكره، مثل: لو كان الأمير يعتاد أن يكون في هذا المكان من الصف الأول وقمت فيه، ثم حضر الأمير، وتخلفت عنه، وآثرت به الأمير فلا بأس، بل ربما يكون أفضل من عدم الإيثار.
وما دمنا في الإيثار فإنه ينبغي أن نتكلم عليه فنقول: الإيثار أقسام هي:
-1 الإيثار بالواجب: حرام. ... 2 - الإيثار بالمستحب: مكروه.
-3 الإيثار بالمباح: مطلوب. ... 4 - الإيثار بالمحرم: حرام على المؤثِر والمؤثَر.
مثال الإيثار بالواجب: رجل عنده ماء لا يكفي إلا لوضوء رجل واحد، وهو يحتاج إلى وضوء، وصاحبه يحتاج إلى وضوء، فهنا لا يجوز أن يؤثره بالماء ويتيمم هو؛ لأن استعمال الماء واجب عليه وهو قادر، ولا يمكن أن يسقط عن نفسه الواجب من أجل أن يؤثر غيره به.
ومثال الإيثار بالمستحب: الإيثار بالمكان الفاضل كما لو آثر غيره بالصف الأول فهذا غايته أن نقول: إنه مكروه، أو خلاف الأولى.
ومثال الإيثار بالمباح: أن يؤثر شخصًا بطعام يشتهيه وليس مضطرًا إليه، وهذا محمود.
وقوله:"لا قبوله"أي: لا يكره قبول الإيثار، فلو قلت لشخص: تقدم في مكاني في الصف الأول، فإنه لا يكره له أن يقبل ويتقدم.
وقوله:"وليس لغير المؤثر سبقه"، أي: لا يحل لغير المؤثر - بفتح التاء - سبقه، أي سبق المؤثر. مثاله: لو آثر زيد عمرًا بمكانه فسبق إليه بكر، فإنه لا يحل ذلك لبكر؛ لأن زيدًا إنما آثر عمرًا.
قوله:"وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة"، يعني أن رفع المصلى الذي وضعه صاحبه ليصلي عليه ثم انصرف حرام، و"المصلى": ما يصلى عليه، مثل: السجادة. وصورة المسألة: رجل وضع سجادته في الصف، وخرج من المسجد فلا يجوز أن ترفع هذا المصلى. (والتعليل لذلك) : أن هذا المصلى نائب عن صاحبه، قائم مقامه، فكما أنك لا تقيم الرجل من مكانه فتجلس فيه، فكذلك لا ترفع مصلاه.
ومقتضى كلام المؤلف أنه يجوز أن يضع المصلى ويحجز المكان، وهذا هو المذهب. ولكن الصحيح في هذه المسألة: أن الحجز والخروج من المسجد لا يجوز، وأن للإنسان أن يرفع المصلى المفروش؛ لأن القاعدة: ما كان وضعه بغير حق فرفعه حق، لكن لو خيفت المفسدة برفعه من عداوة أو بغضاء، أو ما أشبه ذلك، فلا يرفع لأن درأ المفاسد أولى من جلب المصالح، وإذا علم الله من نيتك أنه لولا هذا المصلى المفروش لكنت في مكانه، فإن الله قد يثيبك ثواب المتقدمين؛ لأنك إنما تركت هذا المكان المتقدم من أجل العذر.