الصفحة 31 من 354

جاهلًا في بادية ومنذ نشأته وهو يتوضَّأ؛ فيغسل الوجه واليدين والرِّجلين ثم يمسح الرَّأس، فهنا قد يتوجَّه القول بأنه يُعذر بجهله؛ كما عَذَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُنَاسًا كثيرين بجهلهم في مثل هذه الأحوال.

قوله:"والموالاة", هذا هو الفرض السَّادس من فروض الوُضُوء؛ وهي أن يكون الشَّيء مواليًا للشيء، أي عَقبَه بدون تأخير. وقال بعضُ العلماء: إن الموالاة سُنَّةٌ وليست بشرط. والأَوْلَى: القول بأنها شرط؛ لأنها عبادة واحدة لا يمكن تجزئتها.

قوله:"وهي: أن لا يؤخِّر غَسْل عُضْوٍ حتى يَنْشِفَ الذي قَبْلَه", هذا تفسير المؤلِّف رحمه الله للموالاة. وهذا بشرط أن يكون ذلك بزمنٍ معتدل خالٍ من الرِّيح أو شِدَّة الحرِّ والبرد.

وقوله:"الذي قبله"أي: الذي قبل العضو المغسول مباشرة، فلو فُرِضَ أنَّه تأخَّر في مسح الرَّأس فمسحه قبل أن تَنْشِف اليدان، وبعد أن نَشِفَ الوجه فهذا وُضُوء مجزئ؛ لأنَّ المراد بقوله:"الذي قبله"أي: قبله على الولاء، وليس كُلُّ الأعضاء السَّابقة. وقولنا: في زمن معتدل، احترازًا من الزَّمن غير المعتدل، كزمن الشِّتاء والرُّطوبة الذي يتأخَّر فيه النَّشَاف، وزمن الحرِّ والرِّيح الذي يُسرع فيه النَّشاف. وقال بعض العُلماء ـ وهي رواية عن أحمد ـ: إن العبرة بطول الفصل عُرفًا، لا بنَشَاف الأعضاء. فلا بُدَّ أن يكون الوُضُوء متقاربًا، فإذا قال النَّاس: إن هذا الرَّجُل لم يفرِّق وضوءَه؛ بل وضوؤه متَّصلٌ، فإنَّه يُعتبرُ مواليًا، وقد اعتبر العُلماء العُرف في مسائل كثيرة. ولكنَّ العُرْفَ قد لا ينضبطُ، فتعليقُ الحكمِ بنشَافِ الأعضاء ِأقربُ إلى الضَّبط.

وقوله:"الموالاة"يُستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمرٍ يتعلَّق بالطَّهارة. مثل: أن يكون بأحد أعضائه حائلٌ يمنع وصول الماء"كالبوية"مثلا، فاشتغل بإزالته فإنه لا يضَرُّ، وكذا لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر، أو انتقل من صنبور إلى آخر ونَشِفت الأعضاء فإنَّه لا يضرُّ. أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلَّق بالطَّهارة؛ كأن يجد على ثوبه دمًا فيشتغل بإزالته حتى نَشِفت أعضاؤه؛ فيجب عليه إعادةُ الوُضُوء؛ لأن هذا لا يتعلَّق بطهارته.

قوله:"والنيَّة شرطٌ", أي لصحَّة العمل وقَبوله وإجزائه؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"إنما الأعمال بالنيَّات".

وهل ينطِقُ بالنيَّة؟ على قولين للعلماء، والصَّحيحُ: أنَّه لا ينطق بها، وأن التعبُّد و بالنُّطق بها بدعة يُنهى' عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت