الصفحة 32 من 354

وأمَّا القول: بأنه يُسَنُّ النُّطُق بها جهرًا؛ فهذا أضعف وأضعف، وفيه من التَّشويش على النَّاس ولا سيما في الصَّلاة مع الجماعة ما هو ظاهرٌ، وليس هناك حاجة إلى التلفُّظ بالنيَّة لأنَّ الله يعلم بها.

ج قوله:"لطهارة الأحداث كلِّها", خرج بقوله:"طهارة الأحداث"طهارة الأنجاس، فلا يُشترطُ لها نيَّة ٌ، فلو عَلَّق إنسانٌ ثوبه في السَّطح، وجاء المطرُ حتى غسله، وزالت النَّجَاسةُ طَهُرَ؛ مع أن هذا ليس بفعله، ولا بنيَّته. وكذلك الأرض تصيبها النَّجَاسة، فينزل عليها المطر فتطهُر. وما ذكره المؤلِّف: مذهب مالك، والشَّافعي، وأحمد. وذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ إلى أن طهارة الحدث لا يُشترطُ لها النيَّةُ، لأنها ليست عبادة مقصودة لذاتها، وإنما هي مقصودة لتصحيح الصَّلاة. وهذا ضعيف.

والصَّوابُ: أن الوُضُوءَ عبادةٌ مستقلِّة، بدليل أن الله تعالى رتَّب عليه الفضلَ والثَّوابَ والأجرَ، ومثلُ هذا يكون عبادةً مستقلَّةً، وهو قول جمهور العلماء. وإذا كان عبادة مستقلَّة، صارت النيَّةُ فيه شرطًا، بخلاف إزالة النَّجاسة فإنها ليست فعلًا، ولكنها تَخَلٍّ عن شيء يُطلب إزالته، فلهذا لم تكن عبادة مستقلَّة، فلا تُشتَرطُ فيها النيَّة.

وقوله"كلِّها"أراد به شُمول الحدث الأصغر والأكبر، والطَّهارة بالماء والتيمُّم.

قوله:"فينوي رَفْعَ الحدث", هذه الصُّورة الأولى للنيَّة، فإذا توضَّأ بنيَّة رفع الحدث الذي حَصَل له بسبب البول مثلًا صحَّ وُضُوءُه، وهذا هو المقصود بالوُضُوء.

ججقوله:"أو الطَّهارة لما لا يُبَاح إلا بها", وهذه هي الصُّورة الثَّانية، أي: ينوي الطَّهارة لشيء لا يُباح إلا بالطَّهارة كالصَّلاة والطَّواف ومسِّ المصحف، فإذا نوى الطَّهارَة للصَّلاة ارتفعَ حدثُه، وإن لم ينوِ رفع الحدث، لأن الصَّلاة لا تصحُّ إلا بعد رفع الحدث.

قوله:"فإن نوى ما تُسنُّ له الطَّهارة كقراءة", هذه هي الصَّورة الثالثة، أي: نوى الطَّهارة لما تُسَنُّ له، وليس لما تجب، كقراءة القرآن فإن قراءة القرآن دون مسِّ المصحف تُسَنُّ لها الطَّهارة، بل كلُّ ذِكْرٍ فإن السُّنَّة أن يتطهَّرَ له؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"كَرِهْتُ أن أذكر الله إلا على طهارة". فإذا نوى ما تُسَنُّ له الطَّهارةُ ارتفعَ حدثُه، لأنَّه إذا نوى الطَّهارةَ لما تُسَنُّ له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث؛ لأجل أن يقرأ، وكذلك إذا نوى الطَّهارةَ لرفع الغضبِ، أو النَّومِ، فإنه يرتفعُ حدثه. فصار للنيَّة ثلاثُ صُور: الأولى: أن ينويَ رفع الحدث.

الثانية: أن ينويَ الطَّهارةَ لما تجبُ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت