الصفحة 33 من 354

الثالثة: أن ينويَ الطهارةَ لما تُسَنُّ له.

قوله:"أو تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدَثَه ارتفَعَ", هذه الصُّورة الرَّابعة. أي: تجديدًا لوُضُوءٍ سابق عن غير حدث، بل هو على وُضُوء، فينوي تجديدَ الوُضُوء الذي كان متَّصفًا به. لكن اشترط المؤلِّفُ ـ رحمه الله ـ شرطين:

الشرط الأول: أن يكونَ ذلك التجديدُ مسنونًا؛ لأنه إذا لم يكن مسنونًا لم يكن مشروعًا، فإذا نوى التَّجديدَ وهو غير مسنونٍ، فقد نوى طهارةً غير شرعية، فلا يرتفع حدثُه بذلك.

وتجديد الوُضُوء يكون مسنونًا إذا صَلَّى بالوُضُوء الذي قبله، فإذا صلّى بالوُضُوء الذي قبله فإنه يُستَحبُّ أن يتوضَّأ للصَّلاة الجديدة. مثاله: توضَّأ لصلاة الظُّهر وصلَّى الظُّهر، ثم حَضَر وقتُ العصر وهو على طهارته، فحينئذ يُسَنُّ له أن يتوضَّأَ تجديدًا للوُضُوء؛ لأنَّه صلَّى بالوُضُوء السَّابق، فكان تجديدُ الوُضُوء للعصر مشروعًا، فإن لم يُصلِّ به؛ بأنَّ توضَّأ للعصر قبل دخول وقتها؛ ولم يُصلِّ بهذا الوُضُوء، ثم لما أذَّن العصرُ جدَّد هذا الوُضُوء، فهذا ليس بمشروع؛ لأنَّه لم يُصلِّ بالوُضُوء الأوَّل، فلا يرتفع حدثُه لو كان أحدث بين الوُضُوء الأول والثَّاني.

الشرط الثَّاني: أن ينسى حدثَه، فإن كان ذاكرًا لحدثه فإنه لا يرتفع، وهذا من غرائب العلم! إذا نوى الشَّيءَ ناسيًا صَحَّ، وإذا نواه ذاكرًا لم يصحَّ!. مثاله: رجل صلَّى الظُّهر بوُضُوء، ثم نقضه بعد الصَّلاة، ثم جدَّد الوُضُوء للعصر ناسيًا أنه أحدث، فهذا يرتفع حدثُه؛ لأنه نوى تجديدًا مسنونًا ناسيًا حدثَه. فإذا كان ذاكرًا لحدثه، فلا يرتفع؛ لأنَّه حينئذ يكون متلاعبًا، فكيف ينوي التجديدَ وهو ليس على وُضُوء؛ لأن التَّجديد لا يكون إلا والإنسان على طهارة.

قوله:"وإن نوى غُسْلًا مسنونًا أجْزَأَ عن واجبٍ".مثاله: أن يغتسلَ من تغسيل الميِّت، أو يغتسل للإحرام، أو للوقوف بعرفة فهذه أغسال مسنونةٌ، وكذلك غُسْلَ الجمعة عند جمهور العلماء، والصَّحيحُ: أنه واجبٌ.

وظاهر كلام المؤلِّف ـ وهو المذهب ـ: ولو ذكر أن عليه غسْلًا واجبًا وقيَّده بعض الأصحاب بما إذا كان ناسيًا حدثه، أي: ناسيًا الجنابة، فإن لم يكن ناسيًا فإنَّه لا يرتفع؛ لأن الغُسْل المسنون ليس عن حدث، وإذا لم يكن عن حدث، فقد قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"إنما الأعمال بالنيَّات". وهذا الرَّجلُ لم ينوِ إلا الغُسْل المسنون، وهو يعلمُ أن عليه جنابة، ويذكر ذلك، فكيف يرتفع الحدث؟ وهذا القول ـ وهو تقييده بأن يكون ناسيًا ـ له وجهةٌ من النَّظر. وتعليلُ المذهب: أنه لما كان الغُسْل المسنونُ طهارةً شرعيَّة كان رافعًا للحدث، وهذا التَّعليل فيه شيء من العِلَّة، لأنَّه لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت