الصفحة 34 من 354

شَكَّ بأنَّه غُسْلٌ مشروع، ولكنه أدنى من الغُسْل الواجب من الجنابة، فكيف يقوى المسنونُ حتى يجزئ عن الواجب الأعلى؟ لكن إن كان ناسيًا فهو معذور. مثاله: لو اغتسل للجمعة ـ على القول بأنه سُنَّة ـ وهو عليه جنابة لكنه لم يذكرها، أو لم يعلم بالجنابة إلا بعد الصلاة كما لو احتلم ولم يعلم إلا بعد الصلاة، فإن صلاة الجمعة تكون صحيحة لارتفاع الجنابة. أما إذا علم ونوى هذا الغسل المسنون فقط، فإن القول بالإجزاء في النفس منه شيء.

جقوله:"وكذا عكسه", أي: إذا نوى غُسْلًا واجبًا أجزأ عن المسنون لدُخُوله فيه، كما لو كان عليه جنابة فاغتسل منها عند السَّعي إلى الجُمعة فإنه يجزئه عن غُسْل الجمعة؛ لأن الواجبَ أعلى من المسنون فيسقطُ به، كما لو دخل المسجد ووجد الناس يصلُّون فدخلَ معهم، فإن تحيَّة المسجد تَسقطُ عنه؛ لأن الواجب أقوى من المستحبِّ.

وإذا نوى الغُسْلين الواجب والمستحبَّ أجزأ من باب أولى؛ لعموم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"إنَّما الأعمال بالنيَّات". وإنْ جعل لكلٍّ غُسْلًا فهو أفضل؛ كما اختاره الأصحاب - رحمهم الله -.

قوله:"وإن اجتمعت أحداثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا". أي: بأن فعل من نواقض الوُضُوء أشياء متعدِّدة، كما لو بَالَ، وتغوَّط، ونامَ، وأكل لحم إبل، ونوى الطَّهارة عن البول، فإنه يجزئ عن الجميع. ولكن لو نوى عن البول فقط على أن لا يرتفع غيرُه، فإنَّه لا يجزئ إلا عن البول. وقيل يجزئ عنه وعن غيره، وقيل: إن عَيَّنَ الأوَّلَ ارتفع الباقي، وإن عيَّن الثاني لم يرتفعْ شيء منها؛ لأنَّ الثَّاني ورد على حدث، لا على طهارة كما لو بال أولًا، ثم تغوَّط، ثم توضَّأ عن الغائط فقط فإنَّه لا يرتفعُ حدثُه؛ لأن الثَّاني وَرَدَ على حَدَثٍ فلم يؤثِّر شيئًا، وحينئذٍ إذا نوى رفع الحدث من الثَّاني لم يرتفع، لأن الحدث من الأول. والصَّحيحُ: أنه إذا نوى رفع الحدث عن واحد منها ارتفع عن الجميع؛ حتى وإنْ نوى أن لا يرتفع غيرُه.

قوله:"أو غُسْلًا فَنَوى بطَهَارَتِه أَحَدَها ارتفعَ سَائُرها", أي: اجتمعت أحداث توجب غُسْلًا كالجماع، والإنزال، والحيض، والنِّفاس بالنسبة للمرأة، فإذا اجتمعت ونوى بغُسُلِه واحدًا منها، فإنَّ جميعَ الأحداث ترتفعُ. وما يُقالُ في الحدثِ الأصغر، ُيقالُ هنا.

قوله:"ويجب الإتيان بها عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهو التَّسميةُ". أي: يجبُ الإتيان بالنيَّة عند أوَّل واجبات الطَّهارة، وهي التَّسمية. وقوله:"عند"العنديَّة تدلُّ على القُرب، وعلى هذا يجب أن تكون النيَّةُ مقترنةً بالفعل، أو متقدِّمةً عليه بزمنٍ يسير، فإن تقدمت بزمن كثير فإنها لا تجزئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت