الصفحة 35 من 354

وقوله:"عند أوَّل واجبات الطهارة"لم يقل عند أوَّل فروض الطَّهارة؛ لأن الواجب مقدّمٌ على الفروض في الطَّهارة، والواجب هو التَّسمية. وهذا على المذهب من أنَّ التسمية واجبةٌ مع الذِّكر. وقد سبق بيانُ حكم التسمية والخلاف في ذلك، وبيان أنَّ الصَّحيح أنَّها سُنَّةٌ.

قوله:"وتُسَنُّ عند أوَّل مسنوناتها إن وُجِدَ قبل واجبٍ", أوَّلُ مسنونات الطَّهارة غسل الكفَّين ثلاثًا، فإذا غسلهما ثلاثًا قبل أن يُسمِّي صار الإتيان بالنيَّة حينئذ سُنَّةٌ. وقوله:"إن وُجِدَ"الضَّمير يعود على أوَّل المسنونات.

وقوله:"قبل واجب"أي: قبل التَّسمية، فلو غسل كَفِّيه ثلاثًا قبل أن يُسمِّيَ، فإنَّ تَقَدُّمَ النيَّةِ قبلَ غسلِ اليدين سُنَّةٌ. والنيَّةُ لها محلاَّن: الأول: تكونُ فيه سُنَّةٌ، وهو قبل المسنون إنْ وُجِدَ قبل واجبٍ.

الثاني: تكون فيه واجبةٌ عند أوَّل الواجبات، وقد سبق بيان ما في ذلك، وأنَّه لا يمكن أن يُقرِّب الانسانُ الماء؛ ثم يشرع في الوُضُوء من غير نيَّة؛ ولهذا لابُدَّ أن تكون النيَّةُ سابقةٌ حتى على أوَّل المسنونات؛ اللهم إلا إن كان إنما يغسل يديه لتنظيفهما من طعام ونحوه؛ ثم نوى الوُضُوء بعد غسل اليدين، فهذا ربما يُقالُ: إنه ابتدأ الطَّهارةَ بلا نيَّة، وحينئذ فعليه أن يأتيَ بالنيَّة عند التَّسمية.

جوقولُه:"إن وُجِدَ قبل واجب"يشير ـ رحمه الله ـ إلى أن هذا المسنون لا يوجد قبل الواجب في الغالب، فالغالب أن يُسمِّيَ قبل غسل كفَّيه، وحينئذ يكون الواجب متقدِّمًا.

جقوله:"واستصحاب ذكرها في جميعها", أي: يُسَنُّ استصحاب ذكرها، والمرادُ ذكرَها بالقلب، أي يُسَنُّ للإنسان تذكُّرُ النيَّةِ بقلبه في جميع الطَّهارة، فإن غابت عن خاطره فإنه لا يضرُّ، لأن استصحاب ذكرها سُنَّةٌ. ولو سبقَ لسانُه بغير قصده فالمدارُ على ما في القلب.

ولو نوى بقلبه الوُضُوء، لكن عند الفعل نطق بنيَّة العمل؛ فيكون اعتمادُه على عزم قلبه لا على الوهم الذي طرأ عليه، كما لو أراد الحجَّ ودخل في الإحرام بهذه النيَّة؛ لكن سبقَ لسانُه فلبَّى بالعُمْرة فإنَّه على ما نوى.

قوله:"ويجب استصحابُ حكمها", معناه: أن لا ينوي قطعها.

فالنيَّةُ إذًا لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب:

جالأولى: أن يستصحب ذكرها من أوَّل الوُضُوء إلى آخره، وهذا أكمل الأحوال.

الثانية: أن تغيبَ عن خاطره؛ لكنَّه لم ينوِ القَطْعَ، وهذا يُسمَّى' استصحاب ُحكمِها، أي بَنَيَ على الحكم الأوَّل، واستمرَّ عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت