كان يبالغ فيه حتى يُرى بياض إبطيه، ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد حتى إنه جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم:"جعل ظهورهما نحو السماء". واختلف العلماء في تأويله: فقال بعض العلماء: يجعل ظهورهما نحو السماء. وقال بعض العلماء: بل رفعهما رفعًا شديدًا حتى كان الرائي يرى ظهورهما نحو السماء؛ لأنه إذا رفع رفعًا شديدًا صارت ظهورهما نحو السماء. وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره.
قوله:"ومنه: اللهم اسقنا غيثًا مغيثا إلى آخره ً". قوله:"إلى آخره"يعني آخر الدعاء، وذكره في"الروض المربع"فقال:"هنيئًا مريئًا، غدقًا مجللًا، عامًا سَحًّا، طبقًا دائمًا، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين".
مسألة: يسن على المذهب: أن يقلب رداءه في أثناء الخطبة، ويستقبل القبلة ويدعو. وقال بعض العلماء: إنما يكون القلب بعد الدعاء؛ تفاؤلًا بأن الله أجاب الدعاء، وأنه سيقلب الحال من الشدة إلى الرخاء.
قوله:"وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله"، الضمير يعود على الناس، أي: إن سقاهم الله وأنزل المطر قبل أن يخرجوا، فلا حاجة للخروج، ولو خرجوا في هذه الحال لكانوا مبتدعين؛ لأن صلاة الاستسقاء إنما تشرع لطلب السُقيا، فإذا سقوا فلا حاجة لها، ويكون عليهم وظيفة أخرى وهي وظيفة الشكر، فيشكرون الله على هذه النعمة بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم.
قوله:"وينادى الصلاة جامعة"، (أي) : إذا جاء وقت صلاة الاستسقاء، وارتفعت الشمس قيد رمح يُنادى: الصلاةُ جامعة؛ ليحضر الناس؛ قياسًا على صلاة الكسوف. والمذهب: يرون أنه ينادى للكسوف، والعيد، والاستسقاء. ولكن ما ذكره الأصحاب في المناداة للعيد، والاستسقاء، ضعيف جدًا.
قوله:"وليس من شرطها إذن الإِمام"، أي: ليس من شرط إقامتها أن يأذن الإِمام بذلك، بل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض خرج الناس وصلوا، ولو صلى كل بلد وحده لم يخرجوا عن السنة. بل لو وجد السبب، وقال الإِمام: لا تصلوا، فإن في منعه إياهم نظرًا؛ لأنه وجد السبب فلا ينبغي أن يمنعهم، ولكن حسب العُرف عندنا لا تقام صلاة الاستسقاء إلا بإذن الإِمام. اللهم إلا أن يكون قوم من البادية بعيدون عن المدن ولا يتقيدون، فهنا ربما يقيمونها، وإن كان أهل البلد لم يقيموها.
قوله:"ويسن أن يقف في أول المطر"، قوله:"أن يقف"، أي: أن يقف قائمًا أول ما ينزل المطر.
قوله:"وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر"، أي: متاعه الذي في بيته، أو في خيمته إن كان في البر، وكذلك ثيابه يخرجها؛ لأن هذا روي عن ابن عباس. والثابت من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم:"أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه"، أي: رفعه حتى يصيب المطر بدنه، ويقول:"إنه كان"