الصفحة 63 من 354

قوله:"ومَنْ لَزِمَهُ الغُسْل حَرُمَ عليه قِراءةُ القُرْآنِ". أي: أيُّ إنسان لَزِمَهُ الغُسْل سواء كان ذكرًا أم أنثى، ويلزَمُ الغُسْل بواحد من الموجِبات السِّتة السَّابقة. فمن لَزِمَهُ الغُسْل حرم عليه: الصَّلاة، والطَّواف، ومَسُّ المصْحَفِ. ويَحْرُمُ عليه أيضًا: قراءة القرآن، واللبْثُ في المسجد، وهذان يختصَّان بمن لَزِمَهُ الغُسْل.

وقوله:"حَرُمَ عليه قِراءةُ القُرْآنِ". أي: حتى يغتسل، وإن توضَّأ ولم يغتسل، فالتَّحريم لا يزال باقيًا. وقوله:"قراءة القرآن"المراد أن يقرأ آية فصاعدًا، سواء كان ذلك من المصْحَفِ، أم عن ظَهْرِ قَلْبٍ، لكن إن كانت الآية طويلة فإنَّ بعضها كالآية الكاملة.

وقوله:"قراءة القرآن"أي: لا قراءة ذِكْرٍ يوافق القرآن، ولم يَقْصِد التِّلاوة؛ فإنَّه لا بأس به كما لو قال: بسم الله الرحمن الرحيم، أو الحمد و ربِّ العالمين؛ ولم يقصد التِّلاوة.

وأما بالنِّسبة للحائض: فإنَّها مِمَّنْ يلزمه الغُسْل، وعلى هذا فجُمهور أهل العِلْمِ أنَّه لا يجوز لها أنْ تقرأَ القرآن؛ لكنْ لها أن تذكُرَ الله بما يوافق القرآن. وقال شيخُ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إنه ليس في مَنْعِ الحائض (والنُّفساء) من قراءة القرآن نُصوص صريحة صحيحة. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ مَذْهبٌ قويٌّ.

ولو قال قائل: ما دام العلماء مختلفين، وفي المسألة أحاديث ضعيفة، فلماذا لا نجعل المسألة معلَّقة بالحاجة، فإذا احتاجتْ إلى القِراءة كالأَوْراد، أو تَعاهُد ما حَفِظَتْهُ حتى لا تنسى، أوتحتاج إلى تعليم أولادها؛ أو البنات في المدارس فيُباح لها ذلك، وأما مع عدم الحاجة فتأخذ بالأَحْوَطِ، وهي لن تُحْرَم بقيَّة الذِّكْرِ. فلو ذهب ذاهب إلى هذا لكان مذهبًا قويًّا.

أمَّا إسلام الكافر: فالكافر ممن يَلْزَمُه الغُسْل، فلو أَسْلَم وأراد القراءة مُنِعَ حتى يَغتسل. والدَّليل على ذلك: القياس على الجُنُبِ. وهذا فيه نَظَرٌ قويٌّ جدًّا. وعليه فَمَنْع الكافر من قراءة القرآن حتى يغتسل ضعيف؛ لأنَّه ليس فيه أحاديث، لا صحيحة ولا ضعيفة، وليس فيه إلا هذا القياس.

قوله:"ويَعْبُرُ المسجد لحاجة", أي: يَمرُّ به عند الحاجة، (والمعنى: أنه) يَحْرُم على من لَزِمَهُ الغُسْلُ اللُّبْثُ في المسجد: أي: الإقامة فيه ولو مدَّة قصيرة.

وقوله:"لحاجة". والحاجة متنوِّعة، فقد يريد الدُّخول من باب، والخروج من آخر حتى لا يُشاهَد، وقد يفعل ذلك لكونه أخْصَرُ لطريقه، وقد يَعْبُره لينظر هل فيه محتاج فيؤويه أو يتصدَّق عليه، أو هل فيه حَلَقَةُ عِلْمٍ فيغتسل ثم يرجع إليها. وأفادنا ـ رحمه الله ـ بقوله:"لحاجة"أنه لا يجوز له أن يَعْبُرَ لغير حاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت