الصفحة 71 من 354

قوله:"شُرع التَّيمُّمُ"."شُرع": جواب"إذا"في قوله "إذا دخل. وقوله:"شُرع"أي: وجب لما تجب له الطَّهارة بالماء كالصَّلاة، واستُحبَّ لما تُستحبُّ له الطَّهارة بالماء؛ كقراءة القرآن دون مَسِّ المصحَف."

قوله:"ومَنْ وجدَ ماءً يكْفي بعضَ طُهرِه تيمَّم بعد استعمالِهِ". أفادنا المؤلِّف أن الإنسان إذا وَجَد ماءً يكْفي بعضَ طُهرِه، فإنَّه يَجمع بين الطَّهارة بالماء والتَّيمُّم. مثاله: عنده ماء يكفي لغَسْل الوَجْه واليدين فقط؛ فيجب أن يستعمل الماء أولًا؛ فيغسِل وجهه ويديه، ثم يتيمَّم لما بَقِيَ من أعضائه. وسبب تقديم استعمال الماء، ليَصْدُقَ عليه أنه عَادِمٌ للماء، إذا استعمله قبل التَّيمُّم. وقال بعض العلماء: لا يجمع بين طهارة الماء وطهارة التَّيمُّم، بل إذا كان الماء يكفي لنِصْفِ الأعضاء فأكثر فإنه يستعمل بلا تيمُّم، وإذا كان يكفي لأقَلَّ من النِّصف، فلا يستعمل الماء بل يتيمَّم فقط. وقال آخرون: إنه يستعمل الماء مطلقًا، فيما يقدر عليه ولا يتيمَّم. والصَّواب: ما ذهب إليه المؤلِّف.

قوله:"ومَنْ جُرِحَ تيمَّم له وغَسَل الباقي", يعني: من كان في أعضائه جُرْح، والمراد جُرْح يَضرُّه الماء، تيمَّم لهذا الجُرح وغَسَل باقي الأعضاء، والتَّيمُّم للجُرح لا يُشترَط له فُقدان الماء، فلا حَرَجَ أن يتيمَّم مع وجود الماء.

وظاهر قوله المؤلِّف"تيمَّم له"أنه لا بُدَّ أن يكون التَّيمُّم في مَوضِع غَسْل العضوِ المجروح، لأنه يُشْترَط الترتيب، وأما إذا كان الجُرح في غُسْل الجنابة، فإنه يجوز أن يتيمَّم قبل الغُسْل، أو بعده مباشرة، أو بعد زَمَنٍ كثيرٍ.

هذا هو المذهب، لأنهم يَرَون أن الغُسْل لا يُشْترَط له ترتيب ولا مُوالاة، فلو بَدَأَ بِغَسْل أعلى بَدَنِه، أو أَسْفَلِه، أو وَسَطِه صَحَّ. وإذا كان التَّيمُّم في الحَدَثِ الأصغر فَعَلَى المذهب يُشْترَط فيه التَّرتيب والموالاة. فإذا كان الجُرْح في اليَدِ وَجَبَ أن تَغْسِل وجهك أولًا، ثم تتيمَّم، ثم تَمْسَح رأسك، ثم تغسِل رجليك. وهنا يجب أن يكون معك منديل، حتى تُنشِّف به وجهك، ويَدَكَ، لأنَّه يُشترط في التُّراب أن يكون له غبار، وإذا كان على وجهك ماء فالتَّيمُّم لا يَصِحُّ. وقال بعض العلماء: إنه لا يُشترط التَّرتيب ولا الموالاة، كالحَدَثِ الأكبر, وعلى هذا يجوز التَّيمُّم قَبْل الوُضُوء، أو بعده بِزَمن قليل أوكثير، وهذا الذي عليه عمل النَّاس اليوم، وهو الصَّحيح. اختاره الموفَّق والمجدُّ, وشيخ الإسلام ابن تيمية، وَصوَّبه في"تصحيح الفروع."

فائدة: قال بعض العلماء: لا يُشرع التَّيمُّم إلا في الطَّهارة الواجبة. وأما المستحبَّة فلا يُشْرَع لها. وهذا أحد القولين في المذهب. (ولكن هذا القول) يُعكِّر عليه أن النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تيمَّم لردِّ السَّلام وقال:"إني كَرهْتُ أن أَذْكُر الله إلا على طُهْر"، ومعلوم أن التَّيمُّم لردِّ السَّلام ليس واجبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت