وهو أقرب الأقوال. وعلى هذا يكون الخلُّ الآتي من اليهود والنَّصارى حلالًا طاهرًا، لأنهم فعلوا ذلك على وجه يعتقدون حِلَّه، ولذا لا يُمنعون من شرب الخمر.
قوله:"أَوْ تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُر", الدُّهن تارة يكون مائعًا، وتارة يكون جامدًا، والمائع قيل: هو الذي يتسرَّب أو يجري إذا فُكَّ وعاؤه، فإن لم يتسرَّب فهو جامد. وقيل: هو الذي لا يمنع سريان النَّجاسة.
فإذا كان جامدًا، وتنجَّس، فإنها تزال النَّجاسة، وما حولها. مثاله: سقطت فأرة في وَدَكٍ جامد فماتت، فالطَّريق إلى طهارته أن تأخذ الفأرة، ثم تقوِّر مكانها الذي سقطت فيه، ويكون الباقي طاهرًا حلالًا. ... وإن كان مائعًا، فالمشهور من المذهب أنَّه لا يطهُر، سواء كانت النَّجاسة قليلة أم كثيرة، وسواء كان الدُّهن قليلًا أم كثيرًا، وسواء تغيَّر أم لم يتغيَّر، فمثلًا: إذا سقطت شعرة فأرة في"دَبَّةٍ"كبيرة مملوءة من الدُّهن المائع، فينجُس هذا الدُّهن ويفسد. والصَّواب: أن الدُّهن المائع كالجامد؛ فتلقي النجاسة وما حولها، والباقي طاهر.
قوله:"وإن خَفِيَ مَوْضِعُ نجاسةٍ غَسَل حَتَّى يَجْزِمَ بزَوالِهِ", يعني: إذا أصابت النَّجاسة شيئًا، وخفي مكانها، وجب غسل ما أصابته حتى يتيقَّن زوالها.
واعْلَمْ أنَّ ما أصابته النَّجاسة لا يخلو من أمرين: إما أن يكون ضيِّقًا، وإمَّا أن يكون واسعًا. فإن كان واسعًا فإنه يتحرَّى، ويغسل ما غلب على ظنِّه أنَّ النَّجاسة أصابته، لأن غسْل جميع المكان الواسع فيه صُعوبة. وإن كان ضيِّقًا، فإنَّه يجب أن يَغسِل حتى يَجزِم بزوالها. مثال ذلك: أصابت النَّجاسة أَحَدَ كُمَّي الثَّوب، ولم تعرف أيَّ الكُمَّين أصابته، فيجب غسل الكَمَّين جميعًا، لأنه لا يجزم بزوالها إلا بذلك. وكذا لو علمتَ أحدهما، ثم نسيتَ فيجب غسلهما جميعًا. وكلامه ـ رحمه الله ـ يدلُّ على أنه لا يجوز التَّحرِّي ولو أمكن؛ لأنه لا بُدَّ من الجزم واليقين. والصَّحيح: أنه يجوز التَّحرِّي، وعليه؛ إذا كان للتَّحرِّي مجال، فتتحرَّى أيَّ الكُمَّين أصابته النَّجاسة، ثم تغسله. مثال ذلك: لو مرَرْتَ بالنَّجاسة عن يمينك، وأصابك منها، ولا تدري في أيِّ الكُمَّين، فهنا الذي يغلب على الظَّن أنَّه الأيمن، فيجب عليك غسله دون الأيسر. أما إذا لم يكن هناك مجال للتَّحرِّي، فتغسل الكُمَّين جميعًا؛ لأنك لا تجزم بزوال النَّجاسة إلا بذلك.
قوله:"ويَطْهُرُ بَولُ غلامٍ"."بول": خرج به الغائط."غلام": خرج به الجارية.
قوله:"لم يأكُل الطَّعامَ بنضْحِه". خرج من يأكل الطَّعامَ، أي: يتغذَّى به. والنَّضح: أن تُتْبِعَهُ الماءَ دون فَرْكٍ، أو عَصْرٍ حتى يشمله كلَّه. وغائط هذا الصبي كغيره لا بُدَّ فيه من الغَسْل.