فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 149

ومن أمثلة ذلك أيضًا قول أبي هريرة: ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وقول عمار بن ياسر من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ..

لكن قد جوز شيخنا في ذلك، وما يشبهه احتمال إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، بل يمكن أن يقال ذلك أيضًا في الحديث الأول، أما الساحر فلقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .

وأما العراف، وهو المنجم فلقوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} .

قال شيخنا: لكن الأول يعني الحكم لها بالرفع أظهر انتهى.

على أن حديث ابن مسعود، وإن جاء من أوجه عنه بصورة الموقوف،

[ص 130]

فقد جاء من بعضها بالتصريح بالرفع، ومن الأدلة للأظهر أن أبا هريرة رضي الله عنه حدث كعب الأحبار بحديث: فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، فقال له كعب: أأنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله؟ فقال له أبو هريرة: نعم، وتكرر ذلك مرارًا فقال له أبو هريرة: أفأقرأ التوراة. أخرجه البخاري في (الجن من بدو الخلق) من صحيحه.

قال شيخنا فيه إن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وإن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، يكون للحديث حكم الرفع انتهى.

وهذا يقتضي تقيد الحكم بالرفع لصدوره عن من لم يأخذ عن أهل الكتاب، وقد صرح بذلك فقال في مسألة تفسير الصحابي الماضية ما نصه: إلا أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان الصحابي المفسر ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات كعبد الله بن سلام وغيره، من مسلمة أهل الكتاب، وكعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك، كتب كثير من كُتُب أهل الكتاب، فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة، حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور النقلية الرفع لقوة الاحتمال، ولم يتعرض لتجويزه السابق، لكون الأظهر كما قال خلافه.

وسبقه شيخه الشارح لهذا التقييد، فإنه بعد أن نقل أن كثيرًا ما يشنع ابن حزم في المحلي على القائلين بالرفع، يعني في أهل المسألة قال وما ملخصه: ولإنكاره وجه، فإنه وإن كان مما لا مجال للرأي فيه، يحتمل أن يكون ذاك الصحابي سمعه من أهل الكتاب، ككعب الأحبار حين سمع منه العبادلة وغيرهم من الصحابة مع قوله صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، قلت وفي ذلك نظر، فإنه يبعد أن الصحابي المتصف بالأخذ عن أهل الكتاب يسوغ

[ص 131]

حكاية شيء من الأحكام الشرعية التي لا مجال للرأي فيها مستندًا لذلك من غير عزو مع علمه بما وقع فيه من التبديل والتحريف، بحيث سمي ابن عمرو بن العاص صحيفة النبوية الصادقة احترازًا عن الصحيفة اليرموكية.

وقال كعب الأحبار: حين سأل أبا مسلم الخولاني كيف تجد قومك لك؟ قال مكرمين ما نصه: ما صدقتني التوراة لأن فيها: إذا ما من رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه. وكونه في مقام تبيين الشريعة المحمدية كما قيل به في أمرنا ونهينا وكنا نفعل، ونحو ذلك فحاشاهم من ذلك خصوصًا، وقد منع عمر رضي الله عنه كعبًا من التحديث بذلك، قائلًا له لتتركنه أو لألحقنك بأرض القردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت