فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 142

لمجتمع مسلم متميز.

لا يخفى أن الغاية الكبرى تستدعي بعض العوامل المساعدة على تحقيقها، منها توافر حرية التصرف لدى الأفراد، والسلامة من التأثير الخارجي، ووجود مناخ ملائم لإقامة أحكام الله وتشريعاته، ثم وجود سلطة تملك سلطة اتخاذ القرار وتنفيذه، ويتعذر وجود هذه العوامل أو يكاد إذا لم توجد بقعة من الأرض تجمع المسلمين وتكون الكلمة فيها لهم.

وتتضمن سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم وأتباعه الكرام إشارات توضح هذا المعنى فإن النبي صلى الله عليه و سلم لما بعث قي مكة وصار له أتباع، حرصوا على الالتفاف حول النبي صلى الله عليه و سلم وتكوين تجمع خاص بهم، متميز في كثير من نواحي الحياة عن المجتمع الجاهلي الكبير الذي كانوا يعيشون فيه، فأمكنهم التميز في جوانب كالعبادات والأخلاق وتعذر التميز في جوانب أخرى كالمعاملات العامة ولم يكن للإسلام يومئذ قانون نافذ، ولم تكن له قوة يستطيع بها تنفيذ تعاليمه، فكان الوازع الداخلي لدى المسلمين آنذاك مغنيا عن القانون والسلطان.

لقد تضمن القرآن الكريم ربطًا بين إقامة الأحكام الشرعية وبين التمكين في الأرض حين قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) } [1] وإذا فهم هذا، تبينت الحاجة التي من أجلها شنع القرآن الكريم على أولئك الذين آثروا البقاء في أرض الكفر، ولم يهاجروا إلى أرض الإسلام للانضمام إلى المجتمع المسلم، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) } [2]

(1) سورة الحج: الآية: 41.

(2) سورة النساء: الآية: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت