فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 142

الفصل الخامس

الحث على أداء التحية وردها

الناظر في التوجيهات القرآنية التي تحثُّ على أدب المعاملة، يجد أنها تُحدد السِّمة التي يحرص المنهج القرآني دومًا على طبع المجتمع المسلم بها، ألا وهي الدعوة إلى التمسك بكلِّ وسيلة من شأنها أنْ تُوثِّق عُرى الأخوة وتعزّز علاقات المودَّة بين أفراد المجتمع. ولعل إفشاء السلام والتحيَّة يُعدَّان في مقدمة تلك الوسائل التي تتجلَّى ثمارها في تصفية القلوب، وتوسيع دائرة التعارف بين الناس، وتوثيق الصِّلة بين عباد الله، وهي ظاهرة يُدركها كل من يمارسها على صعيد المجتمع، ويتدبّر نتائجها الإنسانية العجيبة. وقد اختار الله للمؤمنين أجمل معاني التحية ليتبادلوها فيما بينهم؛ وجَعَلَها كلمة السلام. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [1] . وقال: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [2] .

وإذا كان الإسلام قد حثَّ على أداء التحية، فهو في الوقت نفسه قد حثَّ على ردِّها. وإنْ كان الحث على أدائها قد جاء على وجه النَدْب، فإنَّ الحث على ردِّها قد جاء على وجه الوجوب. قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) } [3] . قال القرطبي:"أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنَّة مُرغَّبٌ فيها، وردّه فريضة، لقوله تعالى: «فحيُّوا بأحسن منها أو رُدُّوها» " [4] .

(1) سورة النور: الآية 27.

(2) سورة النور: الآية 61.

(3) سورة النساء: الآية 86.

(4) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 298.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت