فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 142

الإنسان مدنيّ بطبعه، يجنح إلى تكوين العلاقات، وبناء الروابط مع بني جنسه. فلا يستطيع أنْ يعيش بمعزلٍ عن غيره"لأن العزلة حين تكون طواعية، نوعٌ من الانتحار الذاتي. وحين تكون بالقوة والقسر، عقوبة صارمة تُتخذ ضد نوعٍ معين من المجرمين، أو عملية قتلٍ بطيء حين تُطبّق على إنسانٍ بريء" [1] .

فالإنسان يميل بطبعه إلى مخالطة الناس والتعامل معهم، وهو بحاجة إلى ذلك بحكم المصالح المشتركة، وحاجة كلِّ إنسانٍ لأخيه الإنسان. فلا يمكن له الاستغناء عن الآخرين في تحقيق مصالحه. هذه الحقيقة التي جاء بها القرآن الكريم وبيّن أبعادها، تنبّه إليها عددٌ من العلماء وعلى رأسهم ابن خلدون في القرن الثامن الهجري، وما تزال الأيام تثبت لنا صدقها، ودقّة وصفها للسلوك الإنساني.

فقد بين لنا القرآن الكريم أن الناس مهما تعددت أجناسهم وألوانهم فإن أباهم جميعًا هو آدم عليه السلام. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [2] .

فالقرآن يُؤكد وحدة أصل الناس وصلة القُربى بينهم، باعتبارهم إخوة ينحدرون من أصل واحد. فإنّ هذا التوحّد في الأصل والمنشأ، حريٌّ به أن يقود الناس إلى التعاون والتفاهم والالتقاء على الخير والمحبة.

والناظر في صيغ الخطاب القرآني، يجد أنها تؤكد وحدة الأصل الإنساني، فكثيرًا ما تتكرر في القرآن صِيغ النداء بـ {يا أيها الناس} و {يا بني آدم} ، مما يشير إلى أن الله سبحانه كرّم هذا الإنسان وفضّله على كثيرٍ من خلقه، مُعلنًا بذلك مبدأ المساواة بين البشر، فلا فضل لجنس على آخر باعتبار اللون والعنصر والنشأة.

(1) انظر: لاوند، رمضان: من قضايا الإعلام في القرآن، (مطابع الهدف) ، ص 176.

(2) سورة النساء: الآية 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت