فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 142

ويرتقي بهذا الإنسان حين يعلن أنّ أساس الثواب والعقاب يرتكز على النوايا والأعمال لا على الظواهر والأشكال. قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وقال صلى الله عليه وسلم:» إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم « [1] .

ولكن البشريّة حين تُغيِّبُ عقولها، وتطمس ضمائرها، تتناسى هذا المبدأ، وتضرب بكل هذه القيم عرض الحائط، فتنتشر العنصرية البغيضة. حتى وصل الأمر عند اليهود إلى الاعتقاد بأنهم شعب الله المختار، وأنَّ غيرهم من الناس ليسوا إلا عبيدًا خلقهم الله لخدمتهم. وهكذا انتشرت الفكرة العنصرية المقيتة بين كثيرٍ من الشعوب والأمم، فجعلتها تتقاتل على أساسها، ويظلم بعضها بعضًا، متناسيةً وحدة أصلها وصلة القربى فيما بينها، فكان ما كان؛ أنْ حلَّت المصائب والفتن والاعتداءات هنا وهناك.

وبعد أن بين لنا القرآن وحدة الأصل الإنساني، فإنه يبين لنا في سياقٍ آخر أنَّ هذا الأصل تفرَّعت عنه الشعوب والقبائل والأمم، وأنَّ الهدف من هذا التنوع بين الناس هو الاتصال والتفاهم والتعارف فيما بينهم. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [2] .

"فالغاية التي جعل الله الناسَ لأجلها شعوبًا وقبائل -كما تدلّ الآية- ليست التناحر والتنازع، ولكنها التعارف والوئام، فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوّعٌ لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف، والوفاء بجميع"

(1) صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي: دار إحياء التراث العربي، رقم 2564، ج 4، ص 1986

(2) سورة الحجرات: الآية 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت