إن السماحة صفة بارزة في المجتمع الإسلامي، لأنها ظاهرة في ثنايا الإسلام كله، فالأحكام الشرعية مبنية عليها، فهذا قول الله تعالى ينطق بها: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] والله سبحانه وتعالى يصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالسماحة ويحثّه للمداومة عليها، وذلك في قول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [2] ،"ويرجع معنى السماحة إلى التيسير المعتدل، وهي معنى اليسر الموصوف به الإسلام" [3] ،قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا" [4] ،تظهر السماحة في المجتمع الإسلامي جلية في المواطن التي يظن فيها ظهور ضدها كالانفعال والغضب والأنانية، وذلك في حالات البيع والشراء، وأماكن الاحتكاك العامة، فإن أبناء المجتمع الإسلامي يمتثلون قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضى" [5] ، فالسماحة بمفهومها الواسع، صفة مصاحبة لتصرفات المجتمع الإسلامي، فهم بعيدون عن الانفعالات، معرضون عن التجاوزات، وهذا ما تقتضيه الأخوة في الدين [6] .
ولا يعني هذا أن المسامحة محصورة بين المسلمين فيما بينهم، فقد أمر الله بها مع المخالفين في الدين، فأمر بالإحسان إلى الوالدين الكافرين، وأذن ببر المخالفين ما لم يكونوا محاربين، وأباح الزواج من نساء اليهودوالنصارى، وأجاز المعاملات
(1) سورة البقرة: الآية: 173.
(2) سورة آل عمران: الآية: 159.
(3) ابن عاشور، الطاهر، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، المرجع نفسه، ص 50. أبو غدة، حسن، وآخرون، الإسلام وبناء المجتمع، المرجع نفسه، ص 32.
(4) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، رقم الحديث 39.
(5) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، رقم الحديث 1970.
(6) أبوغدة، حسن وآخرون، الإسلام وبناء المجتمع، ص 33.