المناقشة والترجيح:
الأصل في العطف التغاير إلا لدليل يقتضي إرادة نفس المعنى لغرض من أغراض التوكيد، كالتقرير، أو التهديد، أو غير ذلك [1] .
وأما استدلال الفريقين بحذف المعمول ليفيد الترادف أو التباين فهو محتمل للفريقين وهو أقرب إلى التوكيد إلا لقرينة تفرق بين متعلق المعمولين.
وأما استدلال من قال أن التكرار للتوكيد والمقصود هو ردع الناس وتخويفهم، وأن أسلوب العرب في ذلك هو تأكيد المعنى السابق.
فالجواب: أن الحمل على تغاير المعنى يؤدي نفس الغرض ويزيد عليه بالتخويف من عدة أمور، كالقبر، والنار، وهو أولى من التخويف بأمر واحد مكررًا.
وعليه فالحمل على التأسيس هو ما يرجحه الباحث لدلالته على معنى جديد مع بقاء علة التأكيد من التهديد والتخويف، كما أن الأصل في العطف الدلالة على تغاير المعنى، والأصل أن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التوكيد، والله الموفق.
المثال الثاني:
قوله تعالى: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [2] .
المعنى العام للآية:
«قوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ نزلت في رهط من قريش قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فأنزل الله هذه السورة لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} في الحال، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} في الحال ما أعبده، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ} في الاستقبال، مَا عَبَدْتُمْ
(1) - روح المعاني 11/ 41.
(2) - سورة الكافرون:1 - 6.