المطلب الأول
التأسيس في التعميم بعد التخصيص
ورود الجملة التي تفيد العموم بعد جملة أفادت الخصوص لا ريب أن فيها تأكيد للجملة الخاصة وزيادةً في المعنى لم تكن حاصلة من الجملة الأولى المفيدة للخصوص، وعليه فتكون الجملة المفيدة للعموم بعد المفيدة للخصوص جملة تأسيسية.
قال الفخر الرازي: «لا نسخ لآية: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [1] بآية: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [2] ؛ لأن ذكر العام بعد الخاص يثبت زيادة حكم على حكم الخاص، من غير أن ينسخه» [3] .
وقال الآلوسي: «في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [4] أي: عَلِمَه اللَّهُ فيؤاخذكم به عند مصيركم إليه، ولا ينفعكم إخفاؤه، وتقديم الإخفاء على الإبداء قد مرت الإشارة إلى سره، وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وهذا من إيراد العام بعد الخاص توكيدًا له وتقريرًا، والجملة مستأنفة غير معطوفة على جواب الشرط» [5] .
وقال الزحيلي: «وهناك إطناب بذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول» [6] .
فإذا تقرر ما سبق فإن أمثلة الكتاب العزيز في هذا كثيرة، وسأذكر ما يبرز صحة القاعدة وذلك على النحو الآتي:
(1) - البقرة: 190.
(2) - البقرة: 191.
(3) - مفاتيح الغيب 3/ 144.
(4) - آل عمران: 29.
(5) - روح المعاني: 2/ 122.
(6) - التفسير المنير 2/ 30.