فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 352

المناقشة والترجيح:

من استدل بأساليب العرب للقول بالتأكيد لقطع آمال الكافرين في المساومة على عبادة آلهتهم.

فالجواب: نعم هذا أسلوب عربي، لكنه يفتقر إلى قرينة؛ لأن الأصل في الكلام هو الحمل على تغاير المعنى، بل إن قطع آمال الكافرين في المساومة على عبادة آلهتهم بقولنا بالتأسيس أشد منه؛ لأنه نفي لعبادة ما يعبدون في الحاضر والمستقبل.

وأما أن هذا أسلوب عربي للتخفيف والإيجاز فليس الإيجاز محمودًا دائمًا فوضعه في موضع يقتضى الإطناب مشينٌ والعكس صحيح.

ومَنْ قال بالتأسيس فاستدل بأن (ما) موصولة في الجملتين الأوليين، ومصدرية في الأخريين، وهذا دال على التغاير؛ لأن المصدر يدل على الحدث مجردًا عن الزمان بخلاف الفعل وعامليه فيدل كل منهما على الحدث والزمن المقدر فيه الحدث، ولكن الفريق الآخر لا يسلم لهم بذلك، وهذا لا يعدوا أن يكون توجيه منهم لما ذهبوا إليه من الحمل على التأسيس.

والذي يراه الباحث هو الحمل على التأسيس؛ لأن قوله: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} عطف على {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} عطف الجملة على الجملة لمناسبة نفي أن يعبدوا الله فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم، وعطفه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيد {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ، فجاء به على طريقة {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} بالجملة الاسمية للدلالة على الثبات، ويكون الخبر اسم فاعل دالا على زمان الحال، فلما نفى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} كما تقدم آنفا، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال، بما هو صريح الدلالة على ذلك؛ لأن المقام يقتضي زيادة في البيان، فاقتضى الاعتماد على دلالة المنطوق إطنابًا في الكلام، لتأييسهم مما راودوه عليه، ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات، وحصل من ذلك تقرير المعنى السابق وتأكيده، تبعًا لمدلول الجملة لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت