يثقلها، فتعذبنا بتركه وعدم حمله، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} مثل اليهود في تكليفهم بقتل الأنفس في التوبة، وقطع موضع النجاسة، وغير ذلك من التكاليف الشاقة، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} من التكاليف التي لا تسعها طاقتنا» [1] .
أقوال المفسرين:
اختلف المفسرون في جملة: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ، هل هي جملة تأسيسية، أم توكيدية لجملة: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} إلى قولين:
القول الأول: القائلون بالتأسيس، وأدلتهم:
حمل جمهور أهل العلم قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} على التأسيس، واختلفوا في معنى الجملتين الذي أفاد التأسيس إلى أربعة أقوال:
الأول: قالوا معنى جملة: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} راجع إلى أمور الآخرة من الحساب ودنو الشمس، ومراحل الحشر، فتباينت من حيث المعنى مع جملة: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ؛ لأن المقصود بها طلب رفع التكاليف الشاقة أو العقوبات التي كانت على الأمم السابقة، فتكون على هذا المعنى جملة تأسيسية؛ لتعلق الطلب بأمور يراد رفعها في الدنيا لا الآخرة، وممن قال بهذا القول: ابن عرفة [2] .
الثاني: أن يكون معنى الجملتين مرادًا به رفع المشاق الدنيوية، فتكون جملة: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} دعاء برفع التكاليف الشاقة التي فرضت على الأمم السابقة، وجملة: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} دعاء برفع كل ما لا طاقة لنا به من العقوبات أو التكاليف الشاقة من التي حصلت أو يتوق حصولها، ومن أدرك حقيقة التخصيص والتقييد والنسخ أدرك حقيقة هذا المعنى، وقيل: العكس؛ فيكون من باب التغاير في
(1) - البحر المديد 1/ 374.
(2) - تفسير ابن عرفة 2/ 819 بتصرف.